عرض المفسرون واللغويون عدة توجيهات لمجىء إلياس على إلياسين ، فالإمام الزمخشرى قال مرة إن زيادة الياء والنون ربما كان له معنى في اللغة السريانية ، وقال مرة إن إلياسين لغة في إلياس ، كما أن إدريسين لغة في إدريس ، وعلى هذا فإن"إلياسين"ليس جمعاً. وإذا كان جمعاً فإن المراد إلياس مضموماً إليه من آمن به من قومه ، كما قالوا الخبيبون والمهلبون ، في الخبيب والمهلب أى تسمية الاتباع اسم المتبوع (3) .
ويقوى هذا قراءة نافع وابن عامر وعلى: آل ياسين ، وياسين ، وأن"ياسين"هو أبو"إيليا"واحد (4) من أنبياء بنى إسرائيل.
ويرى هذا الرأى آخرون غير من تقدم ذكرهم (5) .
ويرى باحث حديث أن"إلياس"هو"إيليا"أحد أنبياء بنى إسرائيل ، المذكور في سفر الملوك الأول بهذا الاسم"إيليا" (6) .
وأن أصله في اللغة العبرية"إلياهو"أى"إيل + ى + ياهو:"
أى إيلى ياهو ، أو يهو. ومعناه: الله إلهى أو الله ربى.
وأن مجيئه في القرآن مرتين (إلياس) فى حالة المنع من الصرف للعلمية والعجمة. أما في سورة الصافات فكان مجيئه مصروفاً هكذا"إلياسين"، وأن علامة صرفه هى"التنوين"أما"الياء"فتولد عن إشباع الكسرة تحت"السين"أى أن أصله في حالة الصرف"إلياسن"فلما أشبعت الكسرة صار"إلياسين"وأن المقتضى لصرفه هنا هو رؤوس الآى.
هذا فيما يختص بالشبهة الأولى. أما الشبهة الثانية وهى"طور سنين"فالرد عليها في الآتى:
ليست"سينين"جمعاً كما توهم مثيرو هذه الشبهات ، الذين يقفون عند ظواهر الكلمات فإن وجدوا فيها ما يشبع رغبتهم في التشفى من القرآن والتحامل عليه ملأوا الدنيا ضجيجاً ، وإن لم يجدوا ملأت قلوبهم الحسرة ، ورجعوا خائبين.. نعم ليست"سينين"جمعاً كما زعموا ، بل هى لغة فى"سيناء"بكسر السين ، كما أن"سَيناء"بفتح السين لغة فيها. وبهاتين اللغتين: سِيناء ، بالكسر ، وسَيناء بالفتح وردت القراءات ، فهى إذن في القرآن لها ثلاثة لغات:
-سِيناء بكسر السين.
-سَيناء بفتح السين.
-وسِنيين ، بكسر السين وياءين ونونين.
كما أن البلد الحرام لها في القرآن عدة أسماء (7) :
-مكة - بكة - أم القرى - البلد الأمين.
(1) الصافات: 123-130.
(2) التين: 1-3.
(3) الكشاف (3/352) .
(4) الدر المصون (9/328) .
(5) معانى القرآن للفراء (2/391) وعلل القراءات (579) .
(6) الإصحاح (16) الفقرات (31-33) .
(7) انظر: من إعجاز القرآن ، العلم الأعجمى مفسراً بالقرآن (2/167) للأستاذ رؤوف سعد.
الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين..(1) وموضع الشاهد على الشبهة ـ عندهم ـ هو قوله عز وجل:
"من آمن بالله"وعلقوا عليه فقالوا:"والصواب أن يقال: ولكن البر أن تؤمنوا بالله ، لأن البر هو الإيمان لا المؤمن".
الرد على الشبهة:
قالوا في العنوان الذى وضعوه العبارة الآتية:
"أتى باسم الفاعل بدل المصدر".
يقصدون قوله تعالى:"ولكن البر من آمن بالله".
وليس في هذا القول اسم فاعل على الإطلاق: فلا"البر"اسم فاعل ؟ ولا"من"اسم فاعل ؟ ولا"آمن"اسم فاعل ؟ ولا"الله"اسم فاعل ؟ وهم ـ قطعاً ـ يقصدون"من آمن"و"مَنْ"هذا اسم موصول ، وصلته"آمن"أى الذى آمن فمن أين أتوا باسم الفاعل الموضوع موضع المصدر في الآية يا ترى ؟ إنهم أتوا به من دائرة جهلهم الواسعة ببدهيات اللغة ، التى هم أميون فيها ، ومع هذا ينصبُّون أنفسهم قضاة على كتاب الله العزيز ذروة البيان المعجز ، الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وكان يجب عليهم أن يلتحقوا بمدارس أولية يتعلمون فيها"فك الخط"إذا أرادوا أن يبحثوا لأنفسهم عن مكان مناسب لأوضاعهم. ولهذا الخطأ الشنيع عدلنا عن عنوانهم إلى العنوان الذى وضعناه لهذه الشبهة"الإتيان بالموصول بدل المصدر".
هذا ، وللعلماء في توجيه وقوع"من آمن"خبراً عن"البر"وهو خلاف الأصل ؛ لأن البر معنى ذهنى و"من آمن"ذات ، والذوات لا يخبر بها عن"المعانى الذهنية"، للعلماء في هذه المسألة ستة توجيهات نذكر منها أقواها في الآتى:
الإمام الزمخشرى أورد فيها ثلاثة توجيهات:
الأول: أن في الكلام مضافاً محذوفاً ، والتقدير. ولكن البر بر من آمن. وهذا التوجيه اشتهر بين جمهور العلماء ، وردده كثير منهم.
الثانى: تأويل"البر"بـ"ذو البر"يعنى أن في الكلام حذف مضاف لكن تقديره قبل"البر"أما التوجيه الأول فكان تقدير المضاف المحذوف قبل"من آمن"وهذا المضاف خبر"البر"الذى هو اسم"ليس".
الثالث: أن يكون المصدر ، وهو"البر"موضوع موضع اسم الفاعل للمبالغة ، كما في قول الخنساء تصف فرس أخيها صخر.