أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله، لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئاً من الآثام: فهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة، إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة، الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام، سُرُجُ الأزمنة وزَيْن الأمكنة.
والثاني: أن تدخله الجناية، وتقوى به العناية، حتى يُعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه، وقلبه يؤلمه ويوجعه؛ لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء رحمهم الله تعالى: أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف، لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى بآلات الباطل، من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد، والنساء الغاتنات، إما مختلطات بهم أو مشرفات، والرقص بالتثني والانعطاف، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف.
وكذا النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد، والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } ]سورة الفجر:14[.
وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان، وإنما يَحِلُّ ذلك
بنفوس موتى القلوب، وغير المستقلين من الآثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات،
لا من الأمور المنكرات المحرمات، فإن لله وإنا إليه راجعون، بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ.
ولله در شيخنا القشيري حيث يقول فيما أجازَناه:
قد عرف المنكر واستنكر الـ ـمعروف في أيامنا الصعبة
وصار أهل العلم في وهدةٍ وصار أهل الجهل في رتبة
حادوا عن الحق فما للذي سادوا به فيما مضى نسبة
فقلت للأبرار أهل التقى والدين لما اشتدت الكربة
لا تنكروا أحوالكم قد أتت نوبتكم في زمن الغربة
ولقد أحسن أبو عمرو بن العلاء حيث يقول: لا يزال الناس بخير ما تعجب من العجب، هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - - وهو ربيع الأول- هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه.
وهذا ما علينا أن نقول، ومن الله تعالى نرجو حسن القبول .
[1] الخطط للمقريزي 1/490
[2] البداية والنهاية 13/137
[3] نقلا عن سبل الهدى والرشاد للصالحي (1/439) ط. وزارة الأوقاف المصرية .
[4] تهذيب الأسماء واللغات 1/22
[5] مسلم 2/592
[6] الاعتصام 1/51
[7] البخاري 3/1434، ومسلم2/795
[8] سنن الدارمي 1/68-69
[9] سنن الدارمي 1/80
[10] غافر 19
[11] مسلم 1/96
[12] المائدة 3
[13] آل عمران 31
[14] أبو داود 2/442
[15] انظر اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية 2/581.
[16] المدخل 2/15
( [17] ) انظر هذه الأدلة وغيرها في المولد النبوي للحنيني، وانظر القول الفصل للشيخ إسماعيل الأنصاري.
[18] جامع البيان 6/568.
[19] مسلم 2/818
[20] فقه العبادات على مذهب الإمام مالك 1/324
[21] الفقه على المذاهب الأربعة1/899
[22] البخاري 3/1434 ومسلم 2/795
[23] انظر الإنصاف فيما قيل في المولد للجزائري63
[24] المجموع 8/412
[27] الإنصاف 61
[28] مسلم برقم (2701)
[29] البخاري 1/25 ومسلم 4/2312
[30] انظر الفصول في السيرة 91،
[31] سيرة ابن إسحاق 25
10.... مجموعة فتاوى عن حكم الاحتفال بالمولد النبوي وما يتصل به
الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم ، والبدعة الحسنة!
المفتي:
الشيخ الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله
س 147 يقول السائل: بالنسبة للاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول من كل عام، أنا أعرف أنه بدعة، ولكنني سمعت من يقول بأن هناك بدعة حسنة أو بدعة مستحبة، وهناك من يعملونه في كل عام هجري في شهر ربيع الأول، فأرجو إيضاح ذلك، بارك الله فيكم؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن الاحتفال بالمولد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم أمر قد كثر فيه الكلام، وكتبنا فيه كتابات متعددة، ونشرت في الصحف مرات كثيرة، ووزعت مرات كثيرة، وكتب فيه غيري من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم، وبيَّن أولئك العلماء أنه بدعة، وأن وجوده من بعض الناس لا يبرر كونه سنة، ولا يدل على جوازه ومشروعيته.