-اللبنة الثامنة: فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
[الكاتب: عبد المنعم مصطفى حليمة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين.
وبعد ...
لا توجد كلمة تغنت بها الشعوب، واستهوتها قلوبهم ككلمة"الحرية"!
تنادوا بها في كل وادٍ ونادٍ، وفي كل خطبة ومقالٍ أو كتاب، ورفعوها شعاراً، وجعلوها غاية يرخص في سبيلها كل غالٍ ونفيس!
وفي كثير من الأحيان ينادون بها ولا يعرفون ما الذي يريدونه منها؟!
إلى أن أصبحت هذه الكلمة - لشدة فتنة الناس بها - مطية دهاقنة الحكم والسياسة إلى أهدافهم ومآربهم ومصالحهم الخاصة، وليصرفوا إليهم وجوه الناس!
وأصبحت الحرية - في كثير من الأحيان - ذريعة وسبباً لوأد الحرية، والحريات، وإعلان الحروب على كثير من الشعوب!
وصوروا أن الديمقراطية هي التي تحقق لهم الحرية، لأنها تقوم على الحرية، لذا جعلوا من لوازم مناداتهم بالحرية التنادي بالديمقراطية، وكأن كل واحدة منهما لازمة للأخرى ومؤدية إليها ولا بد، فمن كان محباً للحرية والتحرر لا بد من أن ينادي بالديمقراطية، ويكون محباً لها والعكس كذلك، وكل من كان عدواً للديمقراطية فهو عدو للحرية، كما زعموا!
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
هل الديمقراطية - كما تمارس في أرقى الدول الغربية الديمقراطية - فعلاً تحقق الحرية التي يحتاجها ويريدها الإنسان، وترقى به إلى المستوى المطلوب والمنشود من الحرية؟!
وما هي نوعية وصفة وحدود الحرية التي تحققها الديمقراطية للشعوب؟!
وهل الإنسان الأمريكي أو الأوربي فعلاً هو حر، وهل الحرية التي يعيشها في بلاده ومجتمعاته فعلاً هي الحرية، أو من الحرية؟!
وهل الإسلام يتعارض مع مبدأ الحرية، أم أنه يقرها ويدعو إليها؟!
ثم - إن كان يقرها - كيف ينظر للحرية، وكيف يمارسها، وما هو الممنوع منها وما هو المسموح؟!
وهل الحرية التي يريدها الإسلام هي ذات الحرية التي تريدها الديمقراطية، أم يوجد فارق بينهما؟!
ثم أيهما أصدق لهجة وواقعاً مع الحرية المنشودة، الإسلام أم الديمقراطية؟!
هذه الأسئلة وغيرها تحملنا على المقارنة بين الحرية كما يريدها الإسلام، وكما مارسها لأكثر من ألفٍ وأربعمائة سنة خلت، ولا يزال يمارسها ويدعو إليها، وبين الحرية كما تريدها الديمقراطية، وكما تمارس في واقع أرقى الدول والمجتمعات الديمقراطية المعاصرة، لنرى أيهما أجدى نفعاً، وأصدق لهجة، وأولى بالسلامة، وأقرب للحق والصواب!
فأقول:
الحرية في الديمقراطية، يقوم بتحديدها، وتحديد المسموح منها من الممنوع الإنسان القاصر الضعيف، وفق ما تملي عليه أهواؤه ونزواته وشهواته، وهذا يعني أن مساحة الحرية في الديمقراطية تتسع أحياناً وتضيق أحياناً، بحسب ما يرتئيه الإنسان المشرِّع في كل يوم أو ظرف، بحسب ما يظن فيه المصلحة!
وهذا يعني أن الشعوب تكون حقل تجارب، وهي في حالة تغيير وتقلب مستمر مع ما يجوز لهم ومالا يجوز لهم من الحرية!
بينما الحرية في الإسلام، الذي يقوم بتحديدها، وتحديد المسموح منها من الممنوع، هو الله تعالى وحده، خالق الإنسان المنزه عن صفات النقص أو الضعف والعجز، العالم بأحوال عباده وما يُناسبهم وما يحتاجون إليه، وبالتالي فالحرية في الإسلام تمتاز بالثبات والاستقرار، فالذي يجوز من الحرية للإنسان قبل ألف وأربعمائة سنة يجوز له إلى قيام الساعة، فكل امرئٍ يعرف ما له وما عليه، والمساحة التي يمكن أن يتحرك بها كحق وهبه الله إياه!
كما أنها تمتاز بالحق المطلق والعدالة المطلقة؛ لأنها صادرة عن الله عز وجل، وهذا بخلاف الحرية في الديمقراطية الصادرة عن الإنسان الذي يحتمل الوقوع في الظلم والخطأ، والقصور!
الحرية في الديمقراطية، يكون الإنسان حراً في دائرة المباحات التي أذن له المشرعون من البشر أن يتحرك بها!
بينما الحرية في الإسلام، يكون الإنسان حراً في دائرة المباحات والمسموحات التي أذن الله بها، وأذن لعبده استباحتها والتنعم بها، والتحرك فيها!
الحرية في الديمقراطية، تحارب وتنكر الشر الذي يتفق عليه المشرعون من البشر بأنه شرٌّ، وهذا من لوازمه - بحكم جهلهم وقصورهم وعجزهم - أن يدخلوا كثيراً من الشر في دائرة الخير الجائز والمباح، كما من لوازمه أن يدخلوا كثيراً من الخير في دائرة الشر الممنوع والمحظور، عقلاً وشرعاً!
كم من أمر يجيزونه تحت عنوان الحرية ثم بعد ذلك يظهر لهم خطؤهم وظلمهم فينقضونه ويمنعونه، وكذلك كم من أمر يحرمونه ويمنعونه ثم يظهر لهم نفعه، فيجيزونه ويُبيحونه، وهذا كله يقلل من قيمة الحرية التي يدعونها!