أن الحقيقة، في ما أرى، تكمن في السر الإلهي الذي وضعه رب العباد في كتابه وشرعته (سواء أنزله وحياً أو أنطقه وحياً على لسان نبيه) فالإسلام في إطار وجوده كدين إلهي للبشرية جمعاء غُرِس فيه سر الهي يدخل في تكوين الشخصية المسلمة التي تستصحب معها هذا السر مهما ابتعدت عن الجادة ومهما تنكبت الطريق. فالدين ورموزه يشكلان لدى الشخصية المسلمة طوق النجاة والملاذ الآمن. ومهما غامر المسلم وذهب بعيداً عن الشاطئ فإنه وطالما بقي يقبض على طوق النجاة يشعر أن بإمكانه العودة سالماً أن شاء. وهذه الشخصية في أسوأ ظروفها وأحلك لحظاتها يمكنها أن تتحمل الأذى الشخصي والرهق الذي يسومه لها الغرب كما يمكنها السكوت على مضض في بعض الأحيان أو الانخداع في أحيان أخرى لنصائح الغرب ومحاولاته للظهور بمظهر الناصح الأمين ليعلمنا كيفية الإمساك بطوق النجاة أو ضرورة تحديث طوق النجاة من خلال محاولاته لتحوير ديننا وتدجينه. ولعل المسلم إن سكت على ذلك أو قبل به سواء كان على مضض أو منخدعاً فإنما يشعر بأن ثمة ورقة توت لا تزال تغطي عورة الحقيقة التي تفضح نوايا الغرب وتجسدها دونما تورية. أما في الحالة الراهنة فإن ما حدث يوازي محاولة الغرب انتزاع طوق النجاة أو تحطيمه ظناً منه بأن المسلم لم يعد بحاجة إليه و لم تعد له رغبة في أن يعود يوماً ما إلى بر الأمان و لم يعد يعتمد بعد اليوم في عقله الباطن على طوق النجاة الذي لا يزال يمسك به بيده. وفي هذه اللحظة الحرجة الحاسمة تكشفت الحقائق وظهرت الحسابات الحقيقية لدى كل طرف. ولعلها ملائمة هذا الدين بل وتطابقه تطابقاً تاماً مع الفطرة السليمة هو الذي يجعل الإنسان المسلم يقاتل بشراسة منقطعة النظير إذا ما كان الهدف هو الاجتثاث الكامل لكيانه ووجوده بل ولأمله وطوق نجاته في دنياه وآخرته. ويزيد على ذلك أن وسائل الاستهداف هذه المرة لم تكن وسائل مبطنة أو محاطة بزخرف من القول يغررون به. فقد كانت الوسيلة واضحة مباشرة وكان الهدف واضحاً فلم يكن بالإمكان للمعتدي أن ينكر استهدافه ولم يكن بالإمكان للمعتدي عليه أن يدفن رأسه في التراب أو يعلل أو يجد العذر.
ولأن الأمر كله جاء على حين غفلة فلم تستطع وسائل الإعلام المحلية والعالمية كما لم تستطيع الحكومات أن تحتوي الأزمة من خلال إسباغ صبغة سياسية عليها أو فذلكة في إخراجها، فيتم التفريق بين الحكومات ووسائل الإعلام الغربية أو حتى التوجيه بمنع وسائل الإعلام العربية ومنابر المساجد من التطرق إلى هذا الأمر. لقد وجدت الفكرة أمثل وسيلة لتبنيها وأمثل أداة لتحريك الأمة وذلك من خلال المساجد والتي استتبعها تحرك جماهيري على نطاق واسع مستخدمين جميع الطاقات والإمكانيات الحديثة بعد أن تم تقعيد الأمر توطئته من قبل المسجد ومن على منبره. وهنا مكمن الحقيقة في أسباب التحريك الجماعي وإنجاحه إذ أن مؤسسات المجتمع المدني في صياغتها الحالية منفصلة عن إرث الأمة الحضاري والإنساني فلا تقوى على تعبئة الشارع وتحريكه ولم يبق في المجتمع المسلم مؤسسة مدنية منبثقة من عمق إرث الإنسان المسلم سوى المسجد.
وإنني أدعو اليوم كما دعوت سابقاً إلى وجود مؤسسات مدنية تشكل في مجملها أعمدة المجتمع المدني و بأن هذه المؤسسات يجب أن تبنى على قواعد راسخة من تراثنا وأن تصاغ في إطار مفاهيم مستمدة من هذا التراث بحيث لا تبدو لرجل الشارع العربي المسلم أمراً غريباً أو مستهجناً يصعب قبوله أو تفهمه بفطرة وتلقائية ودون عناء. إذ يبدو اليوم أن مؤسسات مجتمعنا المدني (إن وجدت) قد صيغت في إطار غريب عن مفهوم رجل الشارع فانحصرت في إطار المثقفين أو أولئك الذين جاءوا بها ومعها من الغرب فظنوا أنها سوف تلاقي رواجاً وقبولاً في المجتمع ولكنهم كمن يحدث القوم بلغة لا يفهمونها ولا يتقبلونها مهما اشتد حماس المتحدث ومهما صحت نيته فالمجتمع ليس مطالباً بأن يتحدث باللغة التي يخاطبه بها المثقف ولكن المثقف هو المطالب بأن يتحدث إلى قومه باللغة التي يفهمها المجتمع ويتقبلها ويتفاعل معها.
والله من وراء القصد,
نشرت بالعدد (15661) من جريدة المدينة، يوم الجمعة بتاريخ 10 صفر 1427ه الموافق 10 مارس 2006م، بصفحة الرأي.
أ. د. عماد الدين خليل
من بين العديد من الباحثين الغربيين الذين كتبوا عن سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يبدو ليوبولد فايس (محمد أسد) أكثرهم اهتماماً واقتراباً من جانب حيوي من أكثر جوانبها أهمية، ذلك هو"السنة": ما الذي تعنيه، وما مكانها في خارطة التشريع الإسلامي، ومدى التوثيق الذي حظيت به، وما هي طبيعة التعامل التي يجب أن تنظم العلاقة بينها وبين المسلم، وردود الأفعال التي تمخّضت عن هذا التعامل عبر التاريخ.