كان لبعض علماء الأزهر وغيرهم جهود مشكورة في توعية هؤلاء المحتفلين بالمولد والإنكار عليهم، وتقدمهم في ذلك رهط من العلماء والمشايخ -رحمهم الله- جميعاً كان من أبرزهم: الشيخ علي محفوظ، والشيخ حسنين مخلوف، والشيخ المراغي، بالإضافة إلى عدد من رجال الدعوة والإصلاح مثل: الشيخ حسن البنا الذي حاول أن يُحَمِّل الأزهر ووزير الأوقاف المسؤولية؛ إذ كان يرى أن التصوف بهذا الشكل قد أضر بالدين على تلك الصورة الدخيلة فأصبح شراً لا يطاق.
ومنهم الشيخ محمد رشيد رضا الذي شدد كثيراً على ممارسات التصوف، لكنه كان يشارك أحياناً في الاحتفال بالمولد بإلقاء الكلمات أو تأليف الرسائل في بيان مكانته -صلى الله عليه وسلم- وواجب الأمة نحوه.
كما ساهمت جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر في ذلك من خلال مؤلفات مشائخها: محمد حامد الفقي، وعبد الرحمن الوكيل، وجميل غازي، ومن جاء بعدهم، وعلى صفحات (الهدي النبوي) ومجلة التوحيد.
وكان للجمعية الشرعية كذلك جهود مشكورة وإن لم تكن في مستوى جماعة أنصار السنة، وكان ممن تكلم في بدع الموالد: الشيخ عبد اللطيف مشتهري - رحمه الله - ويضاف إلى هذا جهود الدعوة السلفية التي حملت على عاتقها أيضاً الرسالة نفسها.
وفي السنوات الأخيرة، أثمرت تلك الجهود المباركة أثراً ملموساً في توعية الناس بمضار الابتداع وثمار الاتباع، وهكذا يُقال للدعاة في كل بلد ابتلي بالمبتدعة: اجتهدوا في تبصير الناس بالحق، فعلى الحق نور لا تطيقه خفافيش الجهالة والظلام.
(وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ والْمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [التوبة:105] .
الهوامش:
(1) انظر: السنن والمبتدعات للشيخ محمد عبد السلام الشقيري، ص 143، والإبداع في مضار الابتداع للشيخ علي محفوظ، والقول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل للشيخ إسماعيل الأنصاب، ص 181.
(2) انظر تاريخ الجبرتي: 2/201 - 202، ويعلل الجبرتي اهتمام الفرنسيين بالاحتفال بالموالد عموماً (لما رآه الفرنسيون في هذه الموالد من الخروج عن الشرائع واجتماع النساء واتباع الشهوات والرقص وفعل المحرمات) .
(3) تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم لعبد الرحمن الرافعي، ص 258 - 261.
(4) المادة 12 من الباب الأول من اللائحة التنفيذية، وهذا يعني أن الدولة تعترف رسمياً بسلطة هذا المجلس.
(5) الكلام للشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - نقلاً عن (الوثنية في ثوبها الجديد) لسمير شاهين، ص 106 - 107.
(6) وكأن هذه الفئات ظنت أن ذلك حل وسط بين بدعية هؤلاء وما ظنوه مجافاة لحق صاحب النبوة -صلى الله عليه وسلم-، ولئن سلمنا لهم بالتفريق مع عدم صحته يبقى أن بدعة العادة لا تنطبق على اتخاذ الأعياد لما فيها من التشريع وكونها خصوصية شرعية.
(7) انظر على سبيل المثال الكلام عن الحقيقة المحمدية ونقدها في كتاب (الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة للأستاذ عبد الله عبد الخالق) .
(8) يعتقدون أنه لم يمت لأنه حقيقة نورانية كالملائكة، الله توحيد وليس وحدة، محمد الأنور البلتاجي، ص 432 وما بعدها، التصوف الإسلامي لزكي مبارك، ص 206 - 210، وخطاب مفتوح لشيخ مشايخ الطرق الصوفية لعبد الرحمن الوكيل، ص52.
(9) انظر هذه المسائل في الكتاب القيم: القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل -صلى الله عليه وسلم-
مجلة البيان.
محمد عثمان
الأعياد جمع عيد. والعيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائد: إما بعود السنة، أو بعود الأسبوع أو بعود الشهور، أو نحو ذلك. فالعيد يجمع أموراً، منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة.
ومنها: اجتماع فيه.
ومنها: أعمال تجمع ذلك من العبادات أو العادات وقد يختص ذلك بمكان بعينه.
وقد يكون مطلقاً وكل من هذه الأمور قد يسمى عيداً (1) .
فالزمان كقوله - صلى الله عليه وسلم - ليوم الجمعة:"إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيداً" (رواه ابن ماجه) .
والاجتماع والأعمال كقول ابن عباس:"شهدت العيد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.." (متفق عليه) . والمكان كقوله - صلى الله عليه وسلم:"لا تتخذوا قبري عيداً".
وقد يكون لفظ العيد اسماً لمجموع العيد والعمل فيه وهو الغالب كقوله - صلى الله عليه وسلم-:"دعهما يا أبا بكر!؛ فإن لكل قوم عيداً وإن هذا عيدنا" (متفق عليه) .
لقد أكثر الناس القول في اعتبار المناسبات في الإسلام وعدم اعتبارها، ووقع فيها الإفراط والتفريط، وإذا نظرت إلى شريعة الإسلام وأحداثه عامة وخاصة؛ تجد المناسبات أو الأعياد على قسمين:
مناسبة معتبرة عني بها الشرع لما فيها من عظة وذكرى تتجدد مع تجدد الأيام والأجيال وتعود على الفرد والجماعة بالتزود منها.