أما"توماس كارليل" (1795 1881م) الذي تحدث عن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم ، حديثاً إيجابياً، حتى جعله كزعيم مصلح، وليس كنبي ورسول أول العظماء المائة فإنه هو القائل:"محمد شيء، والقرآن شيء آخر مختلف تماماً.. ولا يوجد شيء غير الشعور بالواجب يمكن أن يحمل أي أوروبي على قراءة القرآن... إإنه خليط طويل، وممل ومشوش.. جاف.. وغليظ.. باختصار، هو غباء لا يحتمل" (6) .
هذه هي صورة الإسلام.. وقرآنه.. ورسوله.. وصورة المسلمين وحضارتهم، التي شاعت في الثقافة الغربية، وفي الخطاب الغربي عن الشرق الإسلامي، منذ ظهور الإسلام، وحتى العصر الحديث... والتي كوَّنت الأصول والجذور لثقافة الكراهية السوداء، التي تستكين حيناً، وتطفو أحياناً، إبان الأزمات بين الغرب والإسلام.
حدث هذا ويحدث، بينما يؤمن المسلمون ويقدسون كل الكتب والشرائع والنبوات والرسالات، ولا يفرقون بين أحد من رسل الله، ويتلون آيات القرآن التي تقول عن التوراة والإنجيل إن فيهما هدى ونوراً!
الهوامش
(1) (صورة الإسلام في التراث الغربي) ص23، 24، ترجمة: ثابت عيد، طبعة القاهرة سنة 1999م.
(2) المرجع السابق: ص 32، 33. (3) المرجع السابق: ص21.
(4) المرجع السابق: ص18، 25. (5) المرجع السابق: ص24.
(6) ترجم هذه النصوص عن الألمانية: ثابت عيد، ضمن ملف تحت الطبع عن"تقييمات غربية لأسلوب القرآن".
(* كاتب ومفكر إسلامي مصر
صورة الإسلام في الخطاب الغربي (8)
&&د.محمد عمارة&&
كاتب ومفكر إسلامي مصر
سعت الغزوة الاستعمارية الأوروبية الحديثة كي تؤبد احتلالها لعالم الإسلام، ونهبها لثرواته إلى تجريد الإسلام من شموله للدنيا مع الآخرة، ومن مرجعيته للدولة والسياسة والاجتماع مع منظومة القيم والأخلاق الحاكمة لسلوك الأفراد... سعت إلى فك الارتباط بين شريعته الإلهية وحركة الواقع في المجتمعات الإسلامية التي استعمرتها هذه الغزوة، وذلك لتُلحق هذا الواقع بالقانون الوضعي الغربي العلماني، حتى لا يبقى للإسلام إلا ملكوت السماء والغيب والدار الآخرة كما هو حال النصرانية المهزومة أمام العلمانية الغربية وسعت هذه الغزوة الاستعمارية كذلك إلى فك الارتباط بين الإسلام والعربية لغة القرآن الكريم وذلك لتغريب اللسان، مع تغريب الفقه والقانون... وكان خطاب الاستعمار الفرنسي في هذا الميدان نموذجياً، فلقد أعلن فلاسفته ومنظروه:
"أن الأسلحة الفرنسية هي التي فتحت البلاد العربية، وهذا يخوِّلنا اختيار التشريع الذي يجب تطبيقه في هذه البلاد!... ويجب فصل الدين الإسلامي عن القانون المدني... وحصر الإسلام في الاعتقاد وحده"والحيلولة دون اندماج العادات والأعراف في الشرع الإسلامي، ليتيسر دمجها في القانون الفرنسي بدلاً من القانون الإسلامي"!"
"كذلك يجب الفصل بين الإسلام والاستعراب.. فالعربية هي رائد الإسلام، لأنها تُعلَّم من القرآن، وإذا سادت الفرنسية بدلاً من العربية، وأصبحت لغة التفاهم، فلن يهمنا كثيراً أن تضم الديانة الإسلامية الشعب كله، أو أن آيات من القرآن يتلوها رجال بلغة لا يفهمونها، كما يقيم الكاثوليك القداديس باللغات اللاتينية والإغريقية والعبرانية"!! (1) .
فالمطلوب في خطاب الغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة تجريد الإسلام من خصوصياته ومقومات تميزه عن النموذج الحضاري الغربي، وذلك بتغريب الفقه والقانون بالعلمانية بعد تغريب الواقع، لعزل الشريعة عن الحياة... وتغريب اللسان في بلاد الإسلام، لعزل القرآن عن الحياة، وإلحاق المسلمين بالثقافة الغربية، ومنظومة قيمها.
والدارس لواقع بلاد المغرب العربي تونس والجزائر والمغرب حتى بعد ما يقرب من نصف قرن من الاستقلال السياسي يدرك حجم الكارثة التي أحدثها"التغريب الفرنكفوني"في ميادين اللغة والثقافة والتعليم والإعلام، بل والقيم أيضاً، حتى هذه اللحظات.
فالنخبة الفرنكفونية المتغربة تسيطر على ميادين الفكر والثقافة والإعلام.
والصحافة الفرنكفونية الناطقة بالفرنسية تمثل الحجم الأكبر والأهم في الميدان الصحفي.
وطغيان الفرنسية في ميدان التربية والتعليم ظاهر للعيان.
وحركة النشر وسوق الكتاب تغالب فيه الفرنسية العربية فتغلبها.
وحتى النزعات العنصرية التي تريد إحلال البربرية الأمازيغية محل العربية، ما هي إلا ستار لإحلال الفرنسية ومن ثمَّ الفكر الفرنكفوني محل الهوية العربية والإسلامية.
بل لقد بلغت كارثة التبعية والتغريب والاستلاب الحضاري في تلك البقعة العزيزة على أرض الإسلام وأمته إلى الحد الذي زادت فيه معدلات التغريب والفرنكفونية في عهد"الاستقلال"عنه في عهد الاحتلال والمقاومة الوطنية لهذا الاحتلال!!.