بدأ الإسلام فيها غريبًا.. واستمر غريبًا إلى قرب نهايتها.. إلى أن آمن الأنصار.. رضي الله عنهم ورضي الله عن المهاجرين.. وعن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين..
كان الاهتمام الرئيسي لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة أن يبني الجانب العقائدي عند الصحابة.. فلا يؤمنون بإله غير الله.. ولا يتوجهون بعبادة لأحد سواه.. ولا يطيعون أحدًا يخالف أمره.. وهم يتوكلون عليه.. وينيبون إليه.. ويخافون عذابه.. ويرجون رحمته..
إيمان عميق برب العالمين.. وإيمان برسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وبإخوانه من الأنبياء و المرسلين..
واعتقاد جازم بأن هناك يومًا سيبعث فيه الخلائق أجمعون.. سيقوم فيه الناس لرب العالمين يحاسبون على ما يعملون.. لن يُظلم في ذلك اليوم أحد.. لن تُغفل الذرة والقطمير.. إنها والله إما الجنة أبدًا أو النار أبدًا..
وإلى جانب العقيدة الراسخة فقد تعلم المؤمنون في هذه المرحلة الأخلاق الحميدة، والخصال الرفيعة.. هذبت نفوسهم.. وسمت بأرواحهم.. وارتفعوا عن قيم الأرض وأخلاق الأرض وطبائع الأرض.. إلى قيم السماء وأخلاق السماء وطبائع السماء.. لقد نزل الميزان الحق الذي يستطيع الناس به أن يقيموا أعمالهم بصورة صحيحة..
وعرف المؤمنون في هذه المرحلة أن الطريق الطبيعي للجنة طريق شاق صعب.. مليء بالابتلاءات والاختبارات.. ما تنتهي من امتحان إلا وهناك امتحان آخر.. تعب كلها الحياة.. والله يراقب العباد في صبرهم ومصابرتهم وجهادهم.. ولن يُستثنى أحد من الاختبار.. ويُبتلى المرء على حسب دينه.
لقد كانت الفترة المكية يا إخواني بمثابة الأساس المتين للصرح الإسلامي الهائل.
ومن المستحيل أن يجتاز المسلمون خطوات كبَدْر وكالأحزاب وكخَيْبر وكتَبوك، دون المرور على فترة مكة..
ومن المستحيل أن تبنى أمة صالحة.. أو تنشأ دولةً قوية.. أو تخوض جهادًا ناجحًا.. أو تثبت في قتال ضار.. إلا بعد أن تعيش في فترة مكة بكل أبعادها..
وعلى الدعاة المخلصين أن يدرسوا هذه المرحلة بعمق.. وعليهم أن يقفوا أمام كل حدث ـ وإن قصر وقته أو صغر حجمه، وقوفًا طويلًا طويلًا..
فهنا البداية التي لا بد منها..
وبغير مكة لن تكون هناك المدينة..
وبغير المهاجرين لن يكون هناك أنصار..
وبغير الإيمان والأخلاق والصبر على البلاء لن تكون هناك أمة ودولة وسيادة وتمكين..
(6) الهجرة - وإن كانت حدثًا تاريخيًا مر منذ مئات السنين، ولا يستطيع أحد بعد جيل المهاجرين أن يحققه، وذلك كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما:"لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ"- إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم فتح باب العمل للمسلمين الذين يأتون بعد ذلك، فقال في نفس الحديث:"وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا"، فالجهاد والبذل والحركة والعمل في سبيل الله لن يتوقف أبدًا في الدنيا، والسعيد حقًا هو من انشغل بعمله عن قوله، وبنفسه عن غيره، وبآخرته عن دنياه.
(7) أول مراحل الهجرة هي ترك المعاصي، والبُعْد عن مواطن الشبهات، ولن ينصر الدين رجل غرق في شهواته، والمعروف أن ترك المعاصي مقدم على فعل فضائل الأعمال، والإنسان قد يُعذر في ترك قيام أو صيام نفل أو صدقة تطوع، لكنه لا يُعذر في فعل معصية، وذلك كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه:"إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ"؛ ولذلك عرف الرسول صلى الله عليه وسلم المهاجر الحقيقي بتعريف عميق من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم فقال فيما رواه أحمد عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما:"إِنَّ الْمُهَاجِرَ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ".
* داعية مصري، وأستاذ مساعد جراحة المسالك البولية بكلية طب القصر العيني بالقاهرة.
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم فيِ مَبْدَإِ الدَّعْوَةِ:
1ـ كان صلى الله عليه وسلم يجاهد في الله حق جهاده، وشرع في الجهاد من حين بعثه الله إلى أن توفاه.
2ـ وكان يدعو إلى الله ليلًا ونهارًا وسرًا وجهارًا، وأقام بمكة ثلاث سنين من أول نبوته يدعو إلى الله مستخفيًا، ولما أنزل عليه {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} صدع بأمر الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، فدعا إلى الله الكبيرَ والصغيرَ والحرَّ والعبدَ، والذَّكرَ والأنثى، والجن والإنس.
3ـ ولما اشتد على أصحابه العذاب بمكة أَذِنَ لهم بالهجرة إلى الحبشة.
4ـ وخرج إلى الطائف رجاء أن ينصروه، ودعاهم إلى الله، فلم ير مؤيدًا ولا ناصرًا، وآذوه أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينله قومه، وأخرجوه إلى مكة، فدخلها في جوار مطعم بن عدي.