قال في صفحة 58:"وكذلك حدث أن سجل في المعاهدة التي أبرمها مع بعض أهالي المدن المجاورة للحيرة: فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا"وقال:"فلما علم أبو عبيدة قائد العرب بذلك ( بتجهيز هرقل لمهاجمته) كتب إلى عمال المدن المفتوحة في الشام يأمرهم بأن يردوا عليهم ما جبي من الجزية من هذه المدن، وكتب إلى الناس يقول:"إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه بلغنا ما جمع لنا من الجموع. وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم وإنا لا نقدر على ذلك. وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا إن نصرنا الله عليهم""
[35] سورة الأنفال: 61.
[36] أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي
[37] سورة البقرة: 194 .
[38] سورة محمد: 4 .
39] بذلك يخرج من دائرة الإسلام كل ما كان يأتي من الجواري - أو العبيد - عن طريق الاختطاف من بلاد إسلامية ويباع ويشترى في سوق النخاسة .
المصدر: من كتاب شبهات حول الإسلام
وهنا يثار موضوع الرق، وكيف أباحه الإسلام؟
ونقول: أن الإسلام لم يجئ بشرع الاسترقاق، بل جاء بشريعة الحرية، ورد الأرقاء إلى ساحتها التي فطرهم الله عليها، كما يقول الفاروق عمر:"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".
>والقارئ للقرآن الكريم لا يجد فيه آية واحدة تبيح الاسترقاق والاستعباد، وإنما يجد الآيات المتعددة تنادي بتحرير الأرقاء وتحض على إعتاقهم، وتجعل هذا التحرير من أعظم القرب والطاعات الدينية> ثم تجعله كفارة تستر ما يقع فيه المسلم من بعض المخالفات الدينية. بل أنه يوجبه على الدولة الإسلامية، ويجعله عملاً من أعمالها، ومصرفاً من مصارف أموالها، ونفصل هذا الأجمال بعض التفصيل، فنقول:
أولاً ـ أن أسرى يخير القرآن فيهما بين أمرين لا ثالث لهما: المن عليهم بنعمة الحرية من غير مقابل، أو المن عليهم بها في مقابل فداء مالي أو شخصي، وهو ما يسمى الآن (تبادل الأسرى) 1. يقول الله تعالى: (...فَإِمَّا مَنَّاً بَعدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضعَ الحَربُ أَوْزَارهَا) (سورة محمد/ 4) .
كذلك إذا رجعنا إلى السنة النبوية وجدنا أن أقوال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأفعاله تنطق بأنه ما جاء مسترقاً بل محرراً.
يحث على العتق ويحض عليه، فيقول:"من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار".
ويقول:"أيما رجل مسلم أعتق رجلاً مسلماً فأن الله عزّ وجل جاعل وفاء كل أعظم من عظامه عظماً من عظام محرره..."
وإذا كان الصحابة قد استرقوا في حروبهم فإنما كان ضرورة حربية لا محيص عنها، ومعاملة بالمثل حيث كان أعداؤهم يسترقون أسرى المسلمين، وتسهيلاً لاستخلاص هؤلاء الأسرى المسلمين من يد أعدائهم عن طريق التبادل.
وقد شرع الله سبحانه أحكامه التي تحقق المصالح الأصلية، وأباح الخروج عنها في أحوال الضرورة التي تقدر بقدرها ولا تعدوها. والله سبحانه وتعالى يقول: (وَقَدْ فَصلَ لَكُم مَّا حَرَّم عَليكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُررتُمْ إِليهِ) (سورة الأنعام/119) .
ثم أن الله سبحانه وتعالى يشير إلى قاعدة المعاملة بالمثل في قوله تعالى: (فَمنِ اعَتدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمثلِ مَا اعَتدَى عَليكَمْ) وفي قوله تعالى: (الشَّهرُ الحَرَامُ بِالشَّهرِ الحرَامِ، وَالحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) فمن انتهك حرمة من الحرمات، ولم يكن هناك مفر من مقابلته بمثل عمله، كانت المصلحة في معاملته بالمثل، وفي حدود الضرورة، حتى يرتدع، ولا يفل الحديد إلا الحديد، وأن أنت أكرمت اللئيم تمردا. والوقوف عند المثالية أحياناً أمام من لا يؤمنون ولا يتعاملون بها يضر ولا ينفع.
وبهذا ضيق الإسلام موارد الرق وأسبابه، التي وجدها قبله وكانت متعددة2 ووقف بها وحصرها عند المعاملة بالمثل، وبقدر الضرورة من غير تجاوز ولا اعتداء.
ثانياً ـ لم يكتف الإسلام بذلك، بل وضع خطة حكيمة لإنهاء الرق وقد كان أساساً لنظام الحياة الاقتصادية والاجتماعية ـ تدريجياً من غير رجة اقتصادية أو اجتماعية.
فجعل عتق الرقبة كفارة للحنث في اليمين، يقول الله تعالى: (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ...) (سورة المائدة/89) .
كما جعله كفارة في الظهار، وهو تحريم الرجل زوجته على نفسه، ثم رغبته في العودة إليها.