يقول تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً...) (سورة المجادلة/ 3-4) .
ثم جعله الله كفارة للقتل خطأ. يقول سبحانه: (وَمَا كَانَ لمُؤمنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤمِنَةٍ وَدِيةٌ مُّسلَّمَةٌ إِلى أهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبةٍ مُّؤمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسلَّمةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنَ ...) (سورة النساء/ 92) .
وكفارة للإفطار المتعمد في نهار رمضان، فقد روي أبو هريرة أن رجلاً أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: هلكت يا رسول الله، قال: ما شأنك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: فهل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا..."3."
ويلاحظ أن العتق هو الواجب الأول في بعض هذه الكفارات قبل الصيام وهو من أسمى العبادات، وقبل الإطعام للفقراء، وما أشد حاجتهم إليه، وكأن رد الحرية إلى الرفيق وفيها حياته الحقيقية أولى وأهم.
ثم جعله كفارة لضرب العبد أو لطمه. يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"من لطم مملوكاً له أو ضربه فكفارته عتقه"4.
ثم جعل تحرير العبيد مصرفاً من مصارف الزكاة في قوله تعالى: (إِنَّما الصَّدقَاتُ للفُقَراءِ وَالمَسَاكينِ وَالعَاملِينَ عَليْها وَالمُؤلفةِ قُلوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالغَارِمينَ وَفِي سَبيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبيلِ فَرِيضةً مِّن اللهِ وَاللهُ عَليمٌ حَكيمٌ) (سورة التوبة/60) .
ثم دعا إلى تحرير الرقاب، قربة وطاعة لله: (فلاَ اقْتَحمَ العَقَبةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبةَ فَكُّ رَقبَةٍ أَو إِطعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغبةٍ يَتيماً ذَا مَقْرَبةٍ أَوْ مِسْكيناً ذَا مَتْربةٍ) (سورة البلد/ 11-16) .
فأن أبدى الرقيق رغبة في الحرية في مقابل مالى ، كان على مالكه الاستجابة لرغبته في الخروج إلى ساحة الحرية، وهو ما يسمى"المكاتبة"مع التخفيف عنه في هذا المال الذي يدفعه ومعاونته مالياً في أدائه. وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَالَّذينَ يَبتغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمتُمْ فِيهمْ خَيْراً وَأَتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذي أَتاكُمْ) (سورة النور/ 33) ثم أن القرابة القريبة تتنافى مع الاسترقاق، ولهذا إذا ملك الشخص قريبه المحرم صار هذا القريب حراً. يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"ومن ملك ذا رحم محرم فهو حر".
وكذلك علاقة زوجية، فإذا ملك الزوج زوجته صارت حرة، وإذا ملكت الزوجة زوجها صار حراً. ثم إذا استولد المالك أمته، أي كان له منها ولد، كانت في سبيلها إلى الحرية، فأن شاء حررها، وإلا حرم عليه التصرف في ملكيتها حتى يموت فتكون حرة، والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:"أيما امرأة ولدت من سيدها فأنها حرة إذا مات".
وإذا عتق نصيبه في عبد، عتق العبد، وكان على المالك تخليصه من ماله، فأن لم يكن له مال سعى العتيق في أداء المال إلى الشريك الآخر دون إرهاق، يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"من أعتق شقصاً5 له في عبد فخلاصه في ماله أن كان له مال، فأن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه"كذلك إذا أوصى المالك بعتق عبده لم يجز له الرجوع في الوصية وكان هذا العبد حراً بعد الوفاة، ولو تجاوزت قيمته ثلث التركة الذي تنفذ فيه الوصايا.
بل أن المالك إذا جرى على لسانه هازلاً إعتاق عبده، أصبح العبد حراً، فأن الحرية لا تتوقف على القصد والنية.
وهكذا تتعدد أسباب التحرير بصورة واضحة، وتترتب على بعض الأعمال والتصرفات المتكررة، وتكون مع ذلك في مسئولية الدولة الإسلامية والأفراد المسلمين، بحيث لو سارت الأمور سيراً طبيعياً ما بقي رقيق، وهو ما خطط الإسلام له، وتشوَّفَ إليه كما يقول الفقهاء.
فإذا جاء العالم اليوم بعد صحوة الرق6، كان مستضيئاً بنور الإسلام ومقتبساً من روحه.
ومع هذا حرص الإسلام على معاملة الرقيق معاملة إنسانية أخوية كريمة، إلى أن يجعل الله له مخرجاً إلى الحرية.
يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إخوانكم خولكم، قد ملككم الله إياهم، ولو شاء لملككم إياهم، فأطعموهم مما تطعمون، وأكسوهم مما تكسون".