وقد ذهب بعض العلماء المحدثين إلى أن عقاب المرتد ليس في الدنيا وإنما في الآخرة ، وأن ما حدث من قتل للمرتدين في الإسلام بناء على بعض الأحاديث النبوية فإنه لم يكن بسبب الارتداد وحده ، وإنما بسبب محاربة هؤلاء المرتدين للإسلام والمسلمين (6) .
(1) البقرة: 256.
(2) الكهف: 29.
(3) النحل: 125.
(4) آل عمران: 64.
(5) الكافرون: 6.
(6) راجع: الحرية الدينية في الإسلام للشيخ عبد المتعال الصعيدى ص 3،72، 73، 88 ـ دار الفكر العربى ـ الطبعة الثانية (دون تاريخ) .
عبد الوهاب خلاف
لقد اعطى الاسلام الفرد حقوقا مثل الحقوق التي اعطته اياه المدنية المعاصرة ولكن حصرتها بقيود تتناسب والظروف الاجتماعية والبيئية التي يعيشها الفرد. وجميع هذه الحقوق على تعددها ترجع إلى أمرين عامين: الأول الحرية الشخصية، والثاني المساواة بين الأفراد في الحقوق المدنية والسياسية.
الحرية الشخصية
المراد من الحرية الشخصية أن يكون الشخص قادراً على التصرف في شؤون نفسه وفي كل ما يتعلق بذاته، آمناً من الاعتداء عليه في نفس أو عرض أو مال أو مأوى أو أي حق من حقوقه، على أن لا يكون في تصرفه عدوان على غيره. ومن هذا التعريف يتبين أن الحرية الشخصية تتحقق بتحقق أمور؛ وأنها معنى مكون من حريات عدة وهي: حرية الذات، وحرية المأوى، وحرية الملك، وحرية الاعتقاد، وحرية الرأي، وحرية التعليم. ففي تأمين الفرد على هذه الحريات كفالة لحريته الشخصية، وهذا ما قرره الإسلام في شأن هذه الحريات.
الحرية الفردية أو حرية الذات
في أحكام الإسلام ما يقرر ويؤمّن الفرد على ذاته من أي اعتداء: وذلك أن الإسلام حد حدوداً بأوامره ونواهيه؛ وشرع لمجاوزة هذه الحدود عقوبات، بعضها مقدرة وهي الحدود، وبعضها موكول تقديره إلى ولاة الأمر وهي التعازير، فلا جريمة إلاّ في تعدي حدود الله، ولا عقوبة إلاّ على وفق شرع الله. واتفقت كلمة علماء الإسلام على أن العقوبات مما لا تثبت بالرأي والقياس وأنها لا تثبت إلاّ بالنص، وجاء في القرآن الكريم قوله عز شأنه: (فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) وقوله تعالى: (فَمَن اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) . ففي النهي عن العدوان إلاّ على ظالم، وفي الأمر بأن يكون الاعتداء على الظالم مماثلاً لاعتدائه لا يزيد، وفي قصر الجريمة على مخالفة حدود الله، ومنع تشريع العقوبات بالرأي والقياس كفالة للحرية الفردية وتأمين من الاعتداء على الذات. وجميع ما في كتاب الله وسُنة رسوله، من النهي عن الظلم والإيذاء للمسلم والذمّي، يؤيد حرية الذات وأمان الإنسان من أذى غيره.
حرية المأوى
في أحكام الإسلام ما يكفل هذه الحرية. فإن النفي والإبعاد عقوبة لم يذكرها القرآن الكريم إلاّ جزاء للذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً. قال تعالى: (إِنَّمَا جَزَآؤُ الذَّينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَونَ فِي الأَرضِ فَسَاداً أن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهمْ وأَرجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ أَو يُنفَوا مِنَ الأَرضِ ذَلِكَ خِزيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) .
وفي القرآن الكريم والسنة تقرير حرمة المسكن قال تعالى: (يا أَيُّها الذَّينَ أَمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرونَ، فإِن لَّم تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ، وَإِن قِيَل لَكُمْ ارْجِعُوا فَارجِعُوا، هُوَ أَزْكَى لَكُمْ، واَللهُ بِمَا تَعْمَلونَ عَلِيمٌ) .
وقال عليه الصلاة والسلام:"إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع".
حرية الملكية
الإسلام أقر هذه الحرية وكفلها بأحكام عدة:
منها أن كل ما شرعه الله من التصرفات التي تفيد نقل ملكية العين أو منفعتها، من بيع وإجارة وقرض وغيره، جعل أساس صحته ونفاذه حرية المتصرف ورضاه واختياره. فالركن الأول لصحة المبادلات المالية التراضي والأصل في هذا قوله عز وشأنه: (يا أَيُّهَا الذَّينَ أَمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالبَاطِلِ إلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) .
ومنها النهي في مواضع عدة في القرآن والسنة عن التعدي على مال الغير وأخذه من مالكه بغير حق، قال تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلى الحُكَّامِ لِتَأكُلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) وقال عز شأنه: (إِنَّ الذَّينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَونَ سَعِيراً) .