فهرس الكتاب

الصفحة 2008 من 3657

وقد غاب عن بعض العلماء وجه ظهور آيته على سائر آيات الأنبياء، حتى احتاج للعذر عن ذلك بدقة أفهام العرب، وذكاء ألبابها، ووفور عقولها، وأنهم أدركوا المعجزة فيه بفطنتهم، وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم، وغيرهم من القبط و بني إسرائيل وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل، بل كانوا من الغباوة وقلة الفطنة بحيث جوز عليهم فرعون أنه ربهم، وجوز عليهم السامري ذلك في العجل بعد إيمانهم، وعبدوا المسيح مع أجماعهم على صلبه، (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ) (النساء 157) ، فجاءتهم من الآيات الظاهرة البينة للأبصار بقدر غلظ أفهامهم ما لا يشكون فيه، ومع هذا فقالوا (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) (البقرة: 55) ولم يصبروا على المن والسلوى، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.

والعرب على جاهليتها أكثرها يعترف بالصانع، وإنما كانت تتقرب بالأصنام إلى الله زلفى. ومنهم من آمن بالله وحده من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل عقله و صفاء لبِّه. ولما جاءهم الرسول بكتاب الله فهموا حكمته، وتبينوا بفضل إدراكهم لأول وهلة معجزته، فآمنوا به، وازدادوا كل يوم إيماناً، ورفضوا الدنيا كلها في صحبته، وهجروا ديارهم وأموالهم، وقتلوا آباءهم وأبناءهم في نصرته، وأتى في معنى هذا بما يلوح له رونق، ويعجب منه زبرج لو احتيج إليه وحقق، لكنا قدمنا من بيان معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم وظهورها ما يغنى عن ركوب بطون هذه المسالك وظهورها. وبالله أستعين ـ وهو حسبي، ونعم الوكيل...

(رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)

تم بحمد الله وكرمه

وكان الفراغ منه يوم 18 ذي الحجة 1426

أبو يوسف محمد زايد.

الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف

يقولون: لم تعددت المصاحف ؛ أليس في ذلك دليل على الإختلاف المؤذن بالتحريف ؟ الرد على الشبهة: وهى وثيقة الصلة بالشبهة السابقة ونقول لهم:

التعدد الذى عندنا:

بدأ جمع القرآن فى"المصحف"فى عهد أبى بكر رضى الله عنه وكان هذا جمعًا لما كتب في حضرة رسول الله كما تقدم.

ثم كان نسخ ما جُمع في عهد أبى بكر في مصاحف أربعةأو سبعة في عهد عثمان رضى الله عنه ، فالجمع الأول كان بمعنى ضم الوثائق الخطية في حياة النبى وترتيب سورها سورة بعد أخرى ، دون إعادة كتابتها من جديد.

وكان الجمع الثانى هو إعادة كتابة الوثائق النبوية في مصحف نقلاً أمينًا لها دون أن يمسها أدنى تغيير أو تبديل.

ومن"المصحف الإمام"الذى تم نسخه من الوثائق النبوية مطابقًا لها ، ثم نسخ مصاحف أربعة ، أو سبعة وزعت على الأمصار الإسلامية في ذلك الوقت.

الحجاز البصرة الكوفة الشام. وهذه المصاحف كانت أشبه ما تكون بالصورة الضوئية للوثائق الحديثة عندما يتم تصويرها فيتوغرافيًا ، شديدة الوضوح. ووجه الشبه هو التطابق التام بين المصحف"الأم"والمصاحف التى نسخت منه ، وأصل هذه المصاحف كلها هو"الوثائق الخطية النبوية".

هذا لون من ألوان تعدد المصحف عندنا ، وهو أول تعدد ظهر في تاريخ القرآن. لكنه تعدد أوراق لا تعدد كلام ؛ فالكلام الذى كُتِبَ في جميع المصاحف كلام واحد ، مثل الكتاب الذى تُطبع منه مئات النسخ أو آلافها ، فإن كل نسخة منه تكرار حرفى للنسخ الأخرى.

أما اللون الثانى من تعدد المصاحف عندنا فهو مصاحف الأفراد التى كتبت بعد جمع القرآن لأول مرة في عهد أبى بكر ، أو كتبت قبله ، قيل:إن عثمان جمع هذه المصاحف وحرقها. وقيل إنه لم يحرقها بل استبعد غير الصحيح منها. ومنها مصحف ابن مسعود لخلاف غير كبير بينه وبين المصحف الإمام.

ثم تعددت نسخ المصحف بعد ذلك ، باتساع الأقطار الإسلامية ، ومع هذا التعدد فإن النصوص الموحى بها من الله عز وجل واحدة في جميع المصاحف في العالم الإسلامى كله.

أما ما استحدث من إضافات فهى إجراءات خارجية لا صلة لها بالنصوص المنزلة. وكل المصاحف كانت تكراراً لمصحف عثمان ، الذى جمع عليه الأمة ، وأعدم أو استبعد ما عداه من مصاحف الأفراد ، لأن العمل الفردى عرضة للخطأ والسهو أو النسيان.

"وإذا كان إعدام هذه المخطوطات الفردية يبدو فيه شىء من القسوة في الوقت الذى لم يوجد فيه بالفعل أى تحريف على الإطلاق ، فإنه يدل مع ذلك على أن عثمان كان بعيد النظر ، وعميقًا في إدراك حقيقة الأمور ، ويرجع فضل تمتع المسلمين اليوم بوحدة كتابهم واستقراره إلى هذا العمل المجيد من جانب عثمان."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت