فهرس الكتاب

الصفحة 2868 من 3657

فهو صلى الله عليه وسلم: سيد ولد آدم، وإمام الأنبياء، وخاتم الرسل. أُرسل إلى الثقلين من الجن والإنس كافّة، يدعوهم إلى توحيد الله تعالى، وأن لا يعبدوا إلا الله تعالى، وأن لا يدّعوا لله الأبناء والشركاء والشفعاء، وأن يُقيموا دين الله ونظامه الذي يُصْلِحُ أمورَ الدنيا كلّها وأمور الآخرة كلّها؛ لأن الإسلام يَجعل من حياة المسلم كلّها عبادة، إذا حُكّمَ فيها دينُ الله، الذي شملت أحكامُه كلَّ الحياة، كما قال تعالى قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163] .

وأيد الله تعالى خاتم الرسل محمداً صلى الله عليه وسلم - كما أيَّدَ الأنبياء من قبله - بالآيات الدالّة على نبوّته، ومنها خوارقُ رآها الناسُ في زمنه.

وخصّه الله تعالى بخلود معجزته الكبرى، وهو القرآن الكريم؛ لأنه سبحانه أراد له أن يكون حجّته على العالمين إلى قيام الساعة، إذ هو كتابُ خاتم الرسل وآخر الأديان.

إن القرآن الكريم هو كلام الخالق سبحانه، تعهّد الله تعالى بحفظه { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] . { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فُصّلت:42] . وتحدَّى الله به العرب أن يأتوا بمثله، بل تحدّى به الثقلين جميعاً، فقال تعالى { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} [الإسراء:88] ، بل لقد تحدى الله تعالى أن يؤتى بسورة واحدة من مثله، كما قال تعالى: { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة:23-24] . فهو معجزة الإسلام الباقية إلى اليوم، وإلى قيام الساعة، الدالّة على صدق نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أنه خاتم الرسل لآخر الأديان.

وللقرآن في دلالته على صِدْقِ نُبوّةِ محمد صلى الله عليه وسلم وفي إعجازه أوجهٌ متعدّدة، منها: بلاغته، وجلالةُ نَظْمه، وعظمةُ أسلوبه، وروعةُ خطابه، التي تأسر القلوب، وتُخْضِعُ النفوس، وتُحيّر العقول، وتسلب الأسماع، وتُسْجِدُ الجباهَ لله رب العالمين.

لقد تُحدِّىَ به العرب، وهم أفصح الناس لساناً، وأبلغهم بياناً، فعجزوا أن يأتوا بسورة واحدةٍ من مثله، وعجز مَنْ جاء بعدهم، وعجز الناس كلهم إلى هذا اليوم، بل لقد عجز الثقلان، وسيعجزون (ولو أعان بعضهم بعضاً) ، إلى قيام الساعة!!!

وها نحن اليوم (وبعد اليوم) نُنادي في البشرية، بل في الثقلين، مُبَلِّغين لهم تحدي إلههم وخالقهم لكل مَنْ على وَجْه الأرض بأن يأتوا بمثل هذا القرآن.

إن هذا التحدِّي الصارخ، والذي له أكثر من ألف وأربع مئة سنة، وما زال باقياً=دلالتُه ونتيجتُه قاطعةٌ، يلزم العاجز معه التراجع عمّا هو عليه، وأن يعترف بدلالة ذلك التحدِّي، وهو أن القرآن الكريم كلامُ الخالقِ المنزَّلُ على خاتمِ رُسُله محمد صلى الله عليه وسلم.

أمّا الإعراضُ عن هذا التحدِّي، أو التظاهر بالإعراض عنه، أو ادّعاؤه، ممّن لا يؤمن بالقرآن الكريم وبدلالته على صدق نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم=فإنه لا يُجْديِ شيئاً، وهو في حقيقته اعترافٌ بالعجز أمام هذا التحدِّي، وَلْيَعْرِفْ هذا المتظاهر بالإعراض أنه بتصرّفه هذا قد انهزَم أمام الناس وأمام نفسه، وأنه قد أصرَّ واستكبر على باطل، سيخسر معه دنياه وآخرته، حيث إن جميع العقلاء يعلمون أنه لو كان بإمكان أعداء الإسلام قديماً وحديثاً أن يكسبوا هذا الرّهان، وأن يقوموا بهذا التحدّي، لَبَادُرُوا إليه من حين إعلانه، لأنه أسهل ممّا بذلوه ويبذلونه إلى اليوم في حَرْبهم للإسلام: من مخاطرتهم بالأرواح والمُهجَ، ودَفْعِهم للأحبّة من الآباء والأولاد والأزواج إلى ساحات المعارك، ومن إنفاقهم للأموال الكثيرة، وصَرْفِهم الأوقات والطاقات=وكل ذلك في حرب الإسلام، وكم قد خسروا من ذلك، وكم سيخسرون. أوَ لم يكن أسهل عليهم أن يتعاونوا جميعاً (وما أكثر أعداء الإسلام) على أن يقضوا سنواتٍ في إعدادِ كتابٍ يُضاهي القرآنَ الكريم، لينتهي كل شيء؟!! فما بالهم لم يفعلوا ذلك، وقد مضى على إنزال القرآن أكثر من أربعة عشر قرناً؟!!! هذا هو العجز بعينه، وهذا هو الإعجاز الأكبر، وهذه هي الحُجّة الكبرى على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت