ونحن إذ نعلن هذا التحدِّي ونكرِّرُ إعلانَه، لقد برئت ذِمَمُنا أمام ربِّنا بهذا البلاغ. إذ واجبُ من بلغه أن يسعى لسماع القرآن كله، من أوّله إلى آخره، وأن لا يرضى بأن يسمعه من الكافرين به، الذين هم بكفرهم به أعداءٌ له ولا شك، مهما تظاهر لك هذا المكذِّبُ به بالإنصاف، ومهما كنتَ حَسَنَ الظنِّ فيه؛ لأن عداوته له تُشكِّكُ في إنصافه (على أقل تقدير) .
كما أنه لا يصحّ لك أن ترضى من نفسك أن تحكم على شيء، ستكون عاقبةُ حُكْمِك عليه مُحدِّدةً لمصيرك الأبدي، ثم لا تستكمل جميع مامن شأنه أن يجعل حُكمك صائباً، ومن ذلك أن تتدبّره من أوّله إلى آخره بعلمٍ وإنصاف.
ومن وجوه إعجازه: إعجازهُ التشريعي، الذي أذعن به كل من عرفه حقّ معرفته، وأنصف. فشموله لجميع مناحي الحياة: للفرد، والأسرة، والمجتمع، والدولة، وشموله للعبادات، والمعاملات، سواء أكانت اقتصاديّة، أو أحوالاً شخصيّة، أو سياسيّة، أو عسكرية، أو قضائيّة، أو آداباً، وتنظيمُه لذلك جميعه أبدع تنظيم وأحسنه، بكل دقّة وحِكْمة، ومعالجته للأخطاء البشريّة في ذلك كُلّه على أتمّ وَجْهٍ=هذا أمرٌ معجز، بل هو الأمر المعجز حقّاً!!. ويبلغ الإعجاز غايته بثبات تلك الأحكام والتنظيمات الدقيقة، وأنها لا تحتاج إلى تبديل أو تغيير في كل زمان ومكان، وأنه لا يَصْلُحُ أَمْرُ البشريّة إلا بها قديماً وحديثاً في أي بقعة من بقاع الأرض، وعلى اختلاف الأعصار والأقطار والعادات والتقاليد والحضارات. إن مثل هذا الثبات وذاك الشمول لمعجزةٌ لا يملك معها من كان عنده قَدْرٌ من الإنصاف إلا بأن يعترف بكونِ القرآن الكريم كلامَ الله!!!
ومن وجوه إعجازه: إخباره بمغيّبات لم تكن قد وقعت، ثم وقعت كما في خبره، وبعضها ما زلنا ننتظر وقوعه مما أخبر أنه سيقع في آخر الزمان. فقد أخبر بأن الروم سينتصرون عقب هزيمتهم أمام الفرس، وكانت هزيمتهم قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لم يتحقق نَصْرهم إلاّ في عام الحديبية وهو العام السادس من الهجرة. وأخبر بمصير أُناس وأنهم من أهل النار، كأبي لهب وزوجه وغيرهما، وكانوا أحياءً عند نزول القرآن بذلك، وعاشوا بعد ذلك زماناً وقد علموا بخبر القرآن عنهم، فما دخلوا في الإسلام، ولا ادّعوا ذلك في الظاهر للتشكيك في خبره!!!
ومن وجوه إعجازه: إعجازه العلمي، وهو أنه قد ورد في القرآن الكريم ذِكْرُ كثيرٍ من الحقائق الكونيّة المختلفة الفنون: في علم الطّب والنبات والحيوان والفلك وغيرها من المعارف الإنسانية. وهي حقائق كثيرةٌ، وكثيرٌ منها دقيق جداً، لم يُكتشف إلا مؤخّراً، عن طريق الأجهزة الحديثة، ومن خلال التِّقْنِيّة المتطوِّرة، ولولا ذلك ما عرفها العلماءُ المتخصّصون المعاصرون. ومع ذلك فقد سبق القرآن إلى ذكرها، قبل أربعة عشر قرناً، يوم أن كانت هذه المعارف مجهولةً تماماً لدى الإنسانيّة جمعاء!!!
لقد أدهشت هذه الحقيقةُ وهذا السبقُ العلميُّ المعجزُ كثيراً من علماء الغرب والشرق، ممّن اطّلعَ عليه، بعد اعتقاده أن ما توصَّل إليه العلمُ الحديث لم يكن معلوماً للبشريّة من قبل. فآمن بعضُ هؤلاء العلماء المتخصصين ودخلوا في الإسلام، وأعلن آخرون دَهْشتهم الكبرى وعظيمَ حيرتهم تجاه ذلك، وتركوا الإجابة عن السؤال المُلِحِّ القائل: هل يُمكن ألا يكون هذا السبقُ إلا دليلاً على صِدْقِ نبوّةِ محمد صلى الله عليه وسلم ؟!!!
ولا يقتصرُ إعجازُ القرآن العلمي على سَبْقِه العلمي، بل يضمُّ إليه أيضاً: أنه على كثرة حديث القرآن الكريم عن أمورٍ كونيّة، وفي شتّى العلوم، ممّا لم يكن معروفاً لدى أحدٍ في زمن نزوله، أو كان معروفاً لقلةٍ من علماء الحضارات القديمة، أو معروفاً لأكثر الناس.. كل ذلك يُخبر به رجلٌ أُمِّي (لايقرأ ولا يكتب) وهو محمد صلى الله عليه وسلم، الذي هو أيضاً من أمةٍ (هم العرب) كانوا أبعدَ الناس عن الحضارة والعلم القديم الذي كان قبل أربعة عشر قرناً=ثمّ لا يُوجد في جميع ما تعرّض له من أمور الكون جميعه ما يُخالفُ الحقائق العلمية اليقينية الثبوت في العصر الحديث!!! هل تحقّق مثلُ ذلك في كتابٍ من كُتُب أكبر علماء ذلك العصر من علماء الحضارات الشهيرة حينها: أن يكون كلُّ ماأخبر به في شتى العلوم صواباً موافقاً لحقائق العلم الحديث؟ فكيف تحقّق ذلك للأُمّي العربي محمد بن عبد الله؟!!! هل كان ذلك إلا لأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!!! أم وقع ذلك كله مصادفة، مع كثرة تلك الحقائق وتنوّعها؟!!!
وهنا.. نعود إلى إعلان تَحَدٍّ جديدٍ للبشريّة: هذا القرآنُ بين أيديكم، وقد تعرّضَ للكثير جداً من حقائق الكون، أخرجوا لنا منه شيئاً (ممّا دَقّ أو جَلّ) يُخالفُ حقيقةً علميّةً لاشكّ في ثبوتها. إنّنا لَنُعْلِنُ هنا أيضاً: أنهم لم يستطيعوا، ولن يستطيعوا؛ لأن القرآنَ الكريم كلامُ الخالق لهذا الكون!!!
ومن هذه الوجوه لإعجاز القرآن الكريم، ننتقل إلى بقيّة دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.