ثورة الغضب الإسلامية الشعبية الساعية إلى مقاطعة المنتجات الدينماركية وكذلك مقاطعة منتجات الدول التي تؤازرها، نقف مع هذا التوجه الشعبي الإسلامي وندعمه في مسعاه، ولكننا نذكر بالمثل الشعبي «الدبره في الحصان جيبوا الحمار نكويه» ، وهذا المثل يدعونا إلى مقاطعة المنتجات الامريكية بعد أن اتخذت واشنطون الإسلام عدواً لها، وسمت المسلمين إرهابيين، وجعلت المرأة تأم الرجال في الصلاة، واصدرت قرآناً جديداً سمته «فرقان الحق» وهو الباطل بعينه، وانتهكت كتاب الله القرآن الكريم وتطاولت على رسول الله في سجن ابوغريب بالعراق، وسجن جواتينامو في كوبا وفي غيرهما من سجون امريكية معروفة ومجهولة ونطالب بمقاطعة كل من يعادي الإسلام وفي مقدمتهم أمريكا، ونذكر بالتاريخ الذي تقول صفحاته بأن الهند نالت استقلالها وحريتها بمقاطعة منتجات المستعمر البريطاني.
محمد بن علي المحمود
إن اللغة التي يعبر بها الكاتب أو المفكر عن موقفه من هذا الحدث، لابد أن تكون على درجة عالية من الانضباط بمعايير الكتابة العلمية التي لا تترك مجالاً لتوظيفها خارج سياق الكاتب. لابد أن تكون الاستثناءات واضحة، ومقرونة بالتفاصيل التي تحدد رؤية الكاتب الخاصة، دون ترك مساحات من المعنى فارغة، يستطيع أن يملأها من يشاء بما يشاء
لايزال الغضب الإسلامي عارماً؛ جراء محاولة بعض المتطرفين الإساءة إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم. وقد تمظهر هذا الغضب الإسلامي في صور شتى، منها ما يأخذ منحى التعبير المجرد عن عاطفة صادقة الإيمان، ومنها ما يتجاوز ذلك إلى مناح عملية واقعية؛ تحاول استثمار الحدث في مسارات إيجابية لصالح الإسلام والمسلمين، ومنها ما ليس إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ من تجار العمل السياسي والاقتصادي المحترف.
وبما أن هذا الغضب الإسلامي العام، إيجابي في عمومه - بصرف النظر عن التفاصيل -؛ فإن هذه الإيجابية لا تعني عدم التوقف عند هذا الغضب؛ توقف القارئ لما تحمل هذه الموجة الغاضبة من دلالات وإشكالات، بل إن هذا الإلحاح على التساؤل والمساءلة، يمكن اعتباره جزءاً من مكونات هذا الغضب، ومن ملامح الإيجابية فيه، إذ هو غضب عام، يُسائل بعضه بعضا، ويتهم الغاضب غضبه بالدرجة التي يتهم بها (الآخر) مصدر الغضب.
حينما نتجاوز أنفسنا - بكوننا غاضبين - إلى التأمل الناقد في تمظهرات هذه الموجة الغاضبة؛ فإننا نلاحظ ما يلي:
1-غياب الاستراتيجية الواضحة التي تحدد الأهداف العملية من وراء هذه الموجة الغاضبة. فمع أن الباعث هو الانتصار لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -من الإساءة المتعمدة، فإن الانتصار هو مبرر وحافز، لكنه ليس هدفاً تتجه إليه فعاليات الغضب الإسلامي. الهدف الاستراتيجي لابد أن يكون واضحاً في أذهاننا ونحن نمارس حقنا في الاحتجاج والحوار والمقاضاة. وما لم يكن الهدف محدداً وواضحاً؛ فإن ما نقوم به لا يعدو كونه - في محصلته النهائية - تعبيراً ساذجاً عن حالة عاطفية، حالة سوف تتوارى بعد أن تأخذ مداها السيكولوجي؛ أيا كانت درجتها من الصدق والتسامي.
إننا نشاهد ونسمع على امتداد العالم الإسلامي الغاضب، بيانات الغضب التي تتفاوت في أفقها الذي تتغياه. المقاطعة - كأحد مظاهر الغضب - لم يستطع القائمون بها أن يرسموا لها حدوداً في الواقع. البعض يريد مجرد اعتذار واضح من الصحيفة، والبعض الآخر يريد اعتذاراً رسمياً من الحكومة الدنماركية، وآخرون لا يرضون بغير معاقبة المجرمين المباشرين عن طريق القضاء. بل إن هناك من يعلن أن الذنب فوق المغفرة، وأن العقاب (المقاطعة) سيستمر دون توقف؛ مهما كانت درجة الاعتذار!
ما هو الحد الأدنى الذي نقبل به كمسلمين؟ هذا ما لا يستطيع الغضب الإسلامي تحديده بوضوح، خاصة وأن المواجهة قد اتخذت شكل المقاطعة الاقتصادية التي هي بطبيعتها ذات منحى عملي، يبحث عن نتيجة ملموسة. ولا قيمة لهذه المقاطعة فيما لو تخاذل عنها كثير من القائمين بها؛ جراء رضاهم بحد أدنى من حدود الاعتذار، لا ترضى به بقية الأطياف.
لاشك أن هذا جزء من إشكالياتنا العامة في التفكير، والتي تتسم في الغالب بغياب الهدف أو غموضه، وأننا - في الغالب - لا نعرف ماذا نريد، حتى في قضايانا الكبرى والمصيرية.
إن هذه الحيرة والاضطراب في مثل هذا الحدث تجعل الآخر المقابل لا يتعاطى مع احتجاجاتنا على نحو جدي، بل يجد نفسه لا يعرف كيف يرضينا؛ فيما لو أراد إرضاءنا!، وأن ما يقدمه من اعتراف واعتذار و.... الخ، لا قيمة له عند بعضنا الغاضب. وبهذه العشوائية، نصبح وكأننا نخوض معركة مضنية؛ لأجل المعركة ذاتها، وكأن المعركة هي الوسيلة والهدف!