وإذا كنا قلنا إنهم لا يحبون رسول الله حقيقة، بل يتخذون المحبة ستارا لغاية علمناها من التفصيل السابق، فإننا نشير كذلك إلى أن لهم غاية أخرى يتوصلون إليها بهذه الدعوى ألا وهي: تعظيم ذواتهم، وإستذلال العباد، وتسخيرهم في شهواتهم.. وذلك حين يزعمون أن ذواتهم تمثل الحقيقة المحمدية، وقد مهدوا لذلك بقولهم إن هذه الحقيقة تظهر في كل زمان ومكان في صورة ولي من الأولياء..
ولعل هذا هو السبب الأول في الدعوة إلى محبة الرسول...
(( فهم ينتقلون منها إلى تعظيم ذواتهم ) )..
يظهر ذلك جليا من حيث إنهم لا يقفون عن حد الاحتفال بمولد النبي الكريم والتوسل به وشد الرحل إلى قبره، بل: (( يجيزون ويدعون إلى الاحتفال بمولد كل شيخ من مشايخهم والتوسل بهم وشد الرحل إلى قبورهم للتضرع والسؤال ) )..
كما هو معلوم، تحت اسم الولاية والتعظيم وطلب البركة..
ولو فرضنا صدقهم لكان ينبغي لهم ألا يشركوا أحدا مع رسول الله في تلك القضايا الثلاث، ولو كانوا صادقين لنهوا أتباعهم عن دعاء النبي وسؤاله ما لايقدر عليه إلا الله، وحينذاك نقول: إنهم صادقون في المحبة، مخطئون اجتهادهم...
لكنهم ما فعلوا هذا ولا ذاك، بل جعلوا لكل شيخ مرتبة تضارع مرتبة النبي وتفوقه حتى تصل إلى مرتبة الإله، وأذنوا في تقديم القربات إليهم من دون الله، فهم مشركون زنادقة متبعون لأهواءهم:
{ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لايهدي القوم الظالمين } ...
( تلك هي الحقيقة.. لكن كثيرا منهم لا يعلمون)
فهذه هي حقيقة محبة رسول الله عند هؤلاء القوم، كما رأينا:
ليس فيها إلا تعظيم الذوات وإحياء دين الفلاسفة الوثنيين من فرس وهند ويونان، وفكرتهم تناقض الإسلام... فليس أحد فاض عن الله، بل كل الموجودات مخلوقة لله تعالى ليست من ذاته ولا من نوره.. وليس أحد من خلق الله يملك علم اللوح والقلم، ولا يقدر أحد على التصرف في الكون..
فمعتقد هذه الاعتقادات كافر بالله تعالى..
والحق أن كثيرا من أتباع هذه الفكرة لا يدركون حقيقتها..
وكثير من الذين يحتفلون بالمولد لا يعلمون أصل هذا الأمر..
بل كثير منهم صادقون في محبتهم وشعورهم تجاه الرسول لكنهم مخطئون حين لم يلتزموا المحبة الشرعية القائمة على الاتباع..
لكن البلية فيمن يعتنق هذا الفكر الإلحادي ويدعو إليه متخذا محبة رسول الله ستارا..
فهذا أصل الضلالة مصدر الغواية، إذن هذه هي الحقيقة، فمن جادلهم فليجادلهم فيها، وليحذر من الخديعة والحيلة فيظن أن القضية قضية مولد أو توسل أو سفر إلى قبر، بل القضية أخطر من تلك بكثير كما قد رأينا.
يحيى بن موسى الزهراني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المؤمنين ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي الأمين ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . . . أما بعد:
فلقد كان العالم يغط في ظلام عميق ، وجهل سحيق ، فكان القتل ، والظلم ، وكثير من الكبائر والعظائم التي لا تجد من ينكرها ، أو يبطلها ، لقد أنت الشعوب قبل الإسلام أنيناً شديداً ، وجار العدوان والطغيان ، وأقيمت الحدود على الفقراء والضعفاء ، ونجا منها الأغنياء والأقوياء ، وبقي الناس على ذلك المر والعلقم حتى رحم الله البشرية ، بإرسال أفضل الرسل وخاتمهم وأرحمهم بأمته ، وهو نبينا وحبيبنا محمد صلى اله عليه وسلم ، وبعد مولده وشبابه ، ونضوجه ونبوته عادت البسمة للناس من جديد ، فقد أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وحطم أسس الشرك ، وقضى على معالم الوثنية ، واستأصل شأفتها ، واجتث جرثومتها ، حتى أقيمت الحدود على الطغاة والبغاة ، واخذ الحق من الظالم ، وأعيد للمظلوم ، وهكذا عاشت الأمة في خير وهناء .
فقبل الشروع في المولد النبوي ، وقبل تفنيد ما فيه من الباطل ، يحسن بنا أن نتطرق إلى بعض الأمور التي قد يغفل عنها كثير من المسلمين ، وهي مما يتعلق به عليه الصلاة والسلام ، والتي ينبغي على المكلف معرفتها والاهتمام بها حتى يعرف أمر نبيه صلى الله عليه وسلم عليه ومن هذه الأمور:
أولا ً: النبي صلى الله عليه وسلم رحمة:
فهو - صلى الله عليه وسلم - رحمة على أمته رحيم رؤوف بهم مشفق عليهم ، قال تعالى: [ لقد جاء كم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليهم بالمؤمنين رؤوف رحيم ] ( التوبة 128 ) ، وقال تعالى: [ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ] ( الأنبياء 107)