تعريف المحبة لغة واصطلاحًا
المحبة لغة:-
ذهب ابن القيم إلى أن مادة كلمة حب تدور في اللغة على خمسة أشياء هي:-
1.الصفاء والبياض ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها: حبب الأسنان.
2.العلو و الظهور ومنه"حبب الماء وحبابه"وهو ما يعلوه عند المطر الشديد.
3.اللزوم و الثبات و منه حب البعير وأحب إذا برك و لم يقم.
4.اللب ومنه حبه القلب للبه وداخله.
5.الحفظ والإمساك و منه حب الماء للوعاء الذي يحفظ فيه ويمسكه وفيه معنى الثبوت أيضًا.
ثم قال: ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة فإنها صفاء المودة وهيجان إرادة القلب للمحبوب وعلوها وظهورها منه لتعلقها بالمحبوب المراد، وثبوت إرادة القلب للمحبوب ولزومها لزومًا لا تفارقه ولإعطاء المحب محبوبه لبه وأشرف ما عنده وهو قلبه ولاجتماع عزماته وإرداته وهمومه على محبوبه ( [2] )
المحبة اصطلاحًا:
قال ابن حجر: وحقيقة المحبة عند أهل المعرفة من المعلومات التي لا تحد وإنما يعرفها من قامت به وجدانًا ولا يمكن التعبير عنها ( [3] ) ونحو هذا قال ابن القيم: لاتحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء، فحدها وجودها، ولا توصف المحبة بوصف اظهر من المحبة ( [4] ) .
المبحث الأول:وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم
إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم الواجبات في الدين ومن أعظم الحقوق الواجبة علينا تجاهه صلى الله عليه وسلم على هذا دل القران والسنة من هذه الأدلة:
1-قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة24) دلت هذه الآية على وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم وليس كذلك فقط بل يجب أن تكن هذه المحبة مقدمه على كل محبوب ( [5] ) كالأب والابن والأخ...الخ
قال القاضي عياض:"كفى بهذه الآية حظًا وتنبيهًا ودلالة وحجة على لزوم محبته ووجوب فرضها واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم؛ إذ قرع تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله وأوعدهم بقوله تعالى: (فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) ثم فسقهم بتمام الآية وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله" ( [6] )
2-ثبت في البخاري من حديث عمر رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شي إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك"فقال له: عمر فإنه الآن والله لأنت أحب إلى من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"الآن يا عمر" ( [7] )
3-عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم قال:"فو الذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده" ( [8] ) .
4-عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" ( [9] ) .
5-عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" ( [10] )
6-عن أنس بن مالك قال:جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله متى الساعة ؟ قال: وما أعددت للساعة؟ قال: حب الله ورسوله قال:"فإنك مع من أحببت".
قال أنس فما فرحنا بعد الإسلام فرحًا أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: فإنك مع من أحببت، قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم ( [11] )
هذه الأحاديث وغيرها تدل على وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم وعظمها في الدين ولهذا كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشد الناس حبًا له صلى الله عليه وسلم فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: ما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه ( [12] )
وسئل علي ابن أبي طالب رضي الله عنه كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الضمأ ( [13] ) .
والمطالع في كتب السير يجد صورا كثيرة رائعة تدل على مدى حب الصحابة له صلى الله عليه وسلم وإيثارهم له وتقديم أرواحهم رخيصة فداء له صلى الله عليه وسلم.
أما الناس بعد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد انقسموا في محبته إلى ثلاثة أقسام:
1-أهل إفراط
2-أهل تفريط.
3-الذين توسطوا بين الإفراط والتفريط.