الأمر الثاني - حيديث جاء بذلك عن النَّبي صلى الله عليه وسلم . قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: وقد جاء بذلك حديث مرفوع ، قال الطبراني: حدثنا أبو شعيب الحراني ، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلي ، حدثنا أيوب بن نهيك ، سمعت عكرمة مولى ابن عابس ، سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن السري الذي قال الله لمريم: { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } ، نهر أخرجه الله لها لتشرب منه » وهذا حديث غريب جداً من هذا الوجه . وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلى ، قال فيه أبو حاتم الرزاي: ضعيف . وقال أبو زرعة: منكر الحديث . وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث - انتهى كلام ابن كثير . وقال ابن حجر رحمه الله في « الكافي الشاف ، في تخريج أحاديث الكشاف » في الحديث المذكور: أخرجه الطبراني في الصغير ، وابن عدي من رواية أبي سنان سعيد بن سنان ، عن أبي إسحاق ، عن البراء عن النَّبي صلى الله عليه ويلم في قوله تعالى: { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } قال: « السري النهر » قال الطبراني: لم يرفعه عن أبي إسحاق إلا أبو سنان ، رواه عنه يحيى بن معاوية وهم ضعيف . وأخرجه عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن أبي إسحاق عن البراء موقوفاً . وكذا ذكره البخاري تعليقاً عن وكيع ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق . ورواه ابن مروديه من طريق آدم ، عن إسرائيل كذلك وأخرجه الحاكم من وجه آخر عن أبي إسحاق موقوفاً . وفي الباب عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: « إن السري الذي قاله لمريم أخرجه الله لتشرب منه » . أخرجه الطبراني وأبو نعيم في الحلية في ترجمة عكرمة عن ابن عمر ، وروايه عن عكرمة أيوب بن نهيك ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة - انتهى .
فهذا الحديث المرفوع إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت طرقه لا يخلو شيء منها من ضعف - اقرب إلى الصواب من دعوى أن السري عيسى بغير دليل يجب الرجوع إليه . وممن اختار أن السري المذكور في الآية النهر-: ابن جرير في تفسيره ، وبه قال البراء بن عازب ، وعلي بن ابي طلحة ، عن ابن عباس . وعمر بن ميمون ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، والضحاكن وإبراهيم النخعي ، وقتادةن ولاسدي ، ووهب بن منبه وغيرهم . وممن قال إنه عيسى: الحسن ، والربيع بن انس ، ومحمد بن عباد بن جعفر . وهو إحدى الروايتين عن قتادة . وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قاله ابن كثير وغيره .
الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 2775)
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير من كون الذى نادى مريم هو ابنها عيسى ، أقرب إلى الصواب ، لأن هذا النداء منه لها في تلك الساعة ، فيه ما فيه من إدخال الطمأنينة والسكينة على قلبها .
أى: فناداها ابنها عيسى الذى كان أسفل منها عندما وضعته . مطمئناً إياها بعد أن قالت: يا ليتنى مت قبل هذا الذى حدث لى . . . ناداها بقوله: { أَلاَّ تَحْزَنِي } يا أماه { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } أى جدولاً صغيراً من الماء ، لتأخذى منه ما أنت في حاجة إليه ، وسمى النهر الصغير من الماء سريا ، لأن الماء يسرى فيه .
وقيل: المراد بالسرى: عيسى - عليه السلام - مأخوذ من السَّرْو بمعنى الرفعة والشرف .
يقال: سَرُوَ الرجل يسرو - كشرف يشرف - فهو سَرِىّ ، إذا علا قدره وعظم أمره ومنه قول الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إلا جهالهم سادوا
أى: قد جعل ربك تحتك يا مريم إنسانا رفيع القدر ، وهو ابنك عيسى ، والجلمة الكريمة تعليل لانتفاء الحزن المفهوم من النهى بقوله: { أَلاَّ تَحْزَنِي } قال بعض العلماء ما ملخصه:"وأظهر القولين عندى أن السرى في الآية النهر الصغير لأمرين:"
أحدهما: القرينة من القرآن ، لأن قوله بعد ذلك { فَكُلِي واشربي } قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب هو ما تقدم الامتنان به في قوله: { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } .
الثانى: ما جاء عن ابن عمر من أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إن السرى الذى قال الله لمريم: { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } نهر أخرجه الله لها لتشرب منه".
فهذا الحديث - وإن كانت طرقه لا يخلو شىء منها من ضعف - أقرب إلى الصواب من دعوى أن السرى عيسى بغير دليل يجب الرجوع إليه"."
الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف
إن في سورة المائدة: أن الحواريين قد طلبوا مائدة من السماء. وأن الله قال (إنى منزلها عليكم (ولا يقول الإنجيل: إن تلاميذ المسيح طلبوا منه آية من السماء ، ولا يقول: إن مائدة نزلت من السماء.
الرد على الشبهة:
إن المعترض غير دارس للإنجيل وغير دارس للتوراة. وذلك لأن في إنجيل يوحنا أن الحواريين طلبوا آية من السماء"فقالوا له: فأية آية تصنع ؛ لنرى ونؤمن بك ؟ ماذا تعمل ؟ آباؤنا أكلوا المنّ في البرية."