وفي سنة تسع أيضًا جاءت الوفود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلن إسلام القبائل ، وما مطمع طامع في حرب الله تعالى ، وهذا نوره بلغ الأصقاع ، وأضاء البقاع ، وهذا بأس أخذه قلع الأوتاد ، وخلع الجبابرة الشداد ؟ وما البقاء على دين أعوج أعرج كان له نفع في الدنيا حين كانت الكعبة بيت الأصنام ، فيها وصورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام ، أما وقد سقط الشرك ، وحبط الإفك ، ودخلت قريش الإسلام ، وأسلمت هوازن ثم ثقيف ، ولم يبق للعرب بؤرة جاهلية يرجعون إليها ، فعرفى من لم يكن منهم قد عرف ألا طاقة لهم بحرب الله ورسوله ، فجاءت الوفود تباعًا إليه صلوات الله عليه وقد تميم ، وسيدهم عطارد بن حاجب التميمي ، ووفد طيئ وسيدهم زيد الخيل ، ووفد عبد القيس ومقدمهم الجارود العبدي ، ووفد بني حنيفة ، وكان فيهم مسيلمة الكذاب غير أن تخلف في رحالهم ، فلما رجعوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وزعم أن يوحى إليه ، وقتل اللعين في خلافة الصديق رضي الله عنه .
وسمي هذا العام مالم الوفود .
ثم في هذه السنة في ذي العقدة حج أبو بكر بالناس ، أشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم البدن وقلدها بيده ، ووضعها مع أبي بكر .
ثم كانت حجة الوداع سنة عشر ، وهي الحجة الوحيدة التي حجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الناس مناسكهم ومعالمهم ، وتبرأ من كل الجاهلية ، ووضعها تحت قدميه ، ورجع إلى المدينة فأرسل البعوث والرسل مخاطبًا للملوك في الجزيرة وفارس والروم يدعوهم إلى الإسلام .
وكان آخر بعوثه صلوات الله عليه هو بعث أسامة ، الذي جهزة قبل موتة صلوات الله عليه بأيام ، فأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض"فلسطين"ولكن توفي رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يبعث البعث وبعثه أبوبكر الصديق ، وكان هذا العمل أول أعماله المباركات ، ودل ذلك على امتداد هدي محمد في أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين .
وفي ضحى الاثنين الثالث عشر من ربيع الأول إحدى عشرة للهجرة لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه ، واختار جواره ، بعد أن استعد لهذا اللقاء الكريم أحسن عدة ، وترك في الأمة كتاب الله وسنته نورًا وهدىً يهدي إلى سواء السبيل ، وترك صحابته وآل بيته أوتاد الأرض ، وحفظة الوحي ، وعلماء الشريعة ، فاضت روحه المطهرة إلى بارئها ، واستمرت سيرته تعطر الدنيا وتنسير الآفاق .
وصلى الله عليه وآله وسلم كثيرًا .
وكان تسطيره يا مجلسين اثنين:
الأول: من الساعة الثانية عشرة والنصف ليلة الخميس الثالث والعشرين من شعبان المكرم عام 1414 حتى الساعة التاسعة والنصف صباح الخميس .
والثاني: من الساعة الثانية ظهر الخميس حتى الساعة الخامسة وخمس وعشرين دقيقة مغرب شمس هذا اليوم الطيب من أيام الله تعالى .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
وكتب
أبو عبد الله القاضي
في 22 من شعبان 1414 هـ / 3/4/ 1994 م
يتناول الدرس الأصول أو الثوابت التي بني عليها الإسلام موضحا أدلة هذه الثوابت وأهميتها من القرآن والسنة وأقوال العلماء وموضحا الواجبات التي تتفرع عن هذه الأصول ويبين موقف المسلم منها. ثم يذكر عقب كل أصل الفرق التي خالفت هذا الأصل ومدى ونوعية المخالفة لهذا الأصل حتى يحذر منها المسلم والداعية إلى الله.
الأصل الأول: القرآن الكريم: القرآن الكريم كتاب الله المنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم آخر رسل الله إلى أهل الأرض، وهو الذي تحدى الله به العرب البلغاء أن يأتوا بسورة من مثل سوره، فعجزوا، وكان ذلك من أكبر الأدلة على أنه من عند الله، وليس من عند البشر؛ لأن البشر لا يعجز بعضهم أن يأتي بما يأتي به بعضهم، فما من شاعر إلا وعورض بمثله وأشعر منه، ولا من خطيب إلا وجاء من هو أخطب منه، ولا عالم إلا قد جاء من يفوقه. وكذلك الشأن في كل ما يحسنه البشر يستحيل أن يأتي أحد منهم بما يعجز البشر كلهم في كل عصورهم، قال الله تعالى متحديًا المكذبين برسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم: