غير أن المهمة شاقة لتعدد تلك الاتجاهات التي تستقي منها الحضارة معينها ومنقذها، فلا ديانتها بقت على حالها لتستقي منها ما ينقذها ولا كذلك الجنوح للإلحاد والعلمانية والرأسمالية والاشتراكية والوجودية، مكنها من أن تسترد به عافيتها، ما يضطرها إلى إضفاء المزيد من المصطلحات والقوانين، فكلما فشلت في مشروع لجأت لآخر، إذ ترى أنه غير صالح لزمان ما وفئة ما، ما يفرض عليها تقديم مشروع آخر.
لكن ثمة حضارة لم يطرأ عليها تغيير على مر العصور, ولا تطوير ولم تنتقل لمشروع آخر كما الحضارات الأخرى وإن كان القائمون عليها قد أخفقوا في نواح شتى، وهو ما سبب تأخر هذه الحضارة لا اندثارها، ولها سمة بارزة إذ يشارك الكبير والصغير والضعيف والقوي في بنائها.
كما أنها ليس لها وقت محدد تموت به وتنتهي... فلقد ولدت مع ولادة أعظم نبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أسهمت - لا كغيرها - في الأخذ بيد ذلك الإنسان الكريم على الله نحو التقدم والازدهار، وحفظت حقوقه، ولم تفرض عليه حضارة حيوانية شهوانية تدمر كل شيء في طريقها، ولم تكلفه فوق ما يطيق حتى في العبادة, بل مازجت بين الفطرة والسلوك, بين الروح والجسد, بين الألم والأمل, بين التفاؤل والتشاؤم.
إنها ولادة تشهد مع كل يوم حضارة ثابتة في قوانينها مرنة في اتجاهاتها. حضارة ولدت بمولد نبيها والذي أعجب له كل العجب أن البعض يتخذ يوماً واحداً يحتفل فيه بمولد هذا النبي على رغم أنه يولد فينا كل يوم, مع بكاء طفل مسلم للتو خرج للدنيا, مع دعوة لله صداها في كل مكان, مع جماعات حضرت صلواتها في كل حين, مع أذان صدع في أرجاء الدنيا, مع أذكار وتسابيح تخرج من أفواه العصافير والأشجار, والأحجار, مع أناس قاموا باتباع السنة على الوجه الصحيح، ومع أناس نهلوا من أخلاق النبي حاملين رسالته بأخلاقهم التي ميّز الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
مع كل هذا وغيره يبقى من الظلم أن يحتفل بمولده بأشكاله المختلفة التي لا تخلو من مزامير ومديح مبالغ فيه وطبول وغناء.
انه لظلم حقاً أن تختزل ولادته وهو المولود فينا كل يوم في يوم واحد لم تقم به خير القرون، وكلنا يعلم قصة بداية أول احتفال بمولده على أيدي المذاهب الباطنية، انه حقاً ظلم لحضارة نبوية تحمل أرقى معاني التقدم... نبي رأت أمه وكأن نورا خرج منها أضاء قصور كسرى في الشام، ما يدلنا على أنه لا يمكن أن تتصور إلا ذلك النور الذي أوصل الإسلام والسلام والأمان والأخلاق الى البشرية جمعاء.
صحيفة الحياة اللندنية
الكاتب: د. عبدالستار إبراهيم الهيتي
في فترة من فترات التاريخ الغابرة، وعلى ثرى البقعة المباركة التي اختارها الله لتكون مثابة للناس وأمنا، وفي ظل أجواء مليئة بالجهل والظلم، وتحكم الغني بالفقير، وسيطرة القوي على الضعيف كان العالم كله يرقب ولادة جديدة تنتشل الأمة من وهدتها، وتطيح بالظلم والطغيان لتضع الأمور في نصابها وتعيد للإنسانية كرامتها وترتفع بالبشرية من حياة الذل والضياع متطلعة بها إلى حياة العزة والمجد.
وسط هذه الأجواء الملبدة بغيوم الجهل والشرك والوثنية كانت الولادة المرتقبة، فانتبهت مكة على إيقاع صوت الحق ينطلق من بين أزقتها، وأفاقت تلك المدينة المقدسة الوادعة على أنغام الترحاب بالوليد اليتيم الذي لم يكن يخطر ببال أحد أنه سيكون منقذا لأمة ومؤسسا لحضارة ومعلما للبشرية وقائدا لركب الإيمان والتوحيد.
إنه في صبيحة الثاني عشر من ربيع الأول كان العالم على موعد مع العلم والفضيلة والحضارة التي انطوت جميعها فتمثلت بالميلاد الميمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت كانت فيه البشرية بأمس الحاجة إلى تصحيح الأفكار وبناء العقائد وبرمجة الرؤى والتوجهات، بحيث أصبح ذلك الميلاد علامة مضيئة في التاريخ الإنساني ليس للمسلمين فحسب وإنما للإنسانية جمعاء على اختلاف مللها وتعدد نحلها، ويؤكد هذا المعنى ما أشار إليه أحد الشعراء المسيحيين بقوله:
أمحمد والمجد بعض صفاته
مجّدت في تعليمك الأديانا
بعث الجهاد لدن بعثت وجردت
أسياف صحبك تفتح البلدانا
ورفعت ذكر الله في أمية
وثنية ونفحتها الإيمانا
مرحا لأمي يعلم سفره
نبغاء يعرب حكمة وبيانا
إني مسيحي أحب محمدا
وأراه في فلك العلا عنوانا