وأما الدليل على جواز سفر المرأة من غير محرم عند الأمن ووجود الثقات؛ فهو ما رواه البخاري في صحيحه أن عمر رضي الله عنه أذن لأزواج النبي في آخر حجة حجّها فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، فقد اتفق عمر وعثمان وعبد الرحمن ونساء النبي على ذلك، ولم ينكر غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك، وهذا يعتبر إجماعاً؛ وكذلك ما رواه الشيخان من حديث عدي بن حاتم فقد حدثه النبي عليه الصلاة والسلام عن مستقبل الإسلام وانتشاره، وارتفاع منارة في الأرض فكان مما قال: (فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد..) ويضيف الدكتور يوسف القرضاوي قاعدتين جليلتين: الأولى: إن الأصل في أحكام المعاملات هو الالتفات إلى المعاني والمقاصد بخلاف أحكام العبادات فإن الأصل فيها هو التعبد والامتثال، دون الالتفات إلى المعاني والمقاصد، كما قرر ذلك الإمام الشاطبي ووضحه واستدل له؛ والثانية: إن ما حُرِّم لذاته لا يباح إلا للضرورة، أما ما حُرم لسد الذريعة فيباح للحاجة، ولا ريب أن سفر المرأة بغير محرم مما حُرم سدا للذريعة؛ إضافة إلى أن السفر في عصرنا لم يعد كالسفر في الأزمنة الماضية محفوفا بالمخاطر لما فيه من اجتياز الفلوات والتعرض للصوص وقطاع الطرق وغيرهم؛ بل أصبح السفر بواسطة وسائل نقل تجمع العدد الكثير من الناس في العادة، كالبواخر والطائرات والسيارات الكبيرة أو الصغيرة التي تخرج في قوافل، وهذا يجعل الثقة موفورة ويطرد من الأنفس الخوف على المرأة، لأنها لن تكون وحدها في موطن من المواطن.
الغريب في الأمر أن بعض هؤلاء الإخوة المعترضين صفقوا للدكتورة ريم الطويرقي التي ظهرت في فرنسا بنقابها، ولكنهم تغاضوا عن كشفها ليديها، فما السبب؟ وعلى أي نص استندوا بأن الوجه له حكم غير حكم اليدين؟ بالطبع لا يمكن أن نجد جواباً لديهم خاصة أن التذبذب في أمر الحجاب موجود لديهم ولدى غيرهم، على سبيل المثال أبدى أحد الكتاب وجهة نظره باقتناعه بأن الوجه والكفين ليسا بعورة في إحدى مقالاته، لكن لما ظهرت صورة الطويرقي قارنها- في مقالة أخرى - مع الجالسة إلى جانبها فاعتبر الطويرقي رافعة رأسها شامخة في حين أن من بجانبها منكوسة الرأس، علماً بأن التي بجانبها التزمت بالحجاب الذي كان يدعو له في المقالة الأولى؛ وربما غاب عنه وعن غيره أن هذه السيدة ليست سوى الدكتورة سهير يوسف القرضاوي.
هذا التذبذب أو هذا الجهل - سَمِّه ما شئت - هو أحد أسباب تخلفنا ولكن السبب الرئيسي الذي لا يجعلنا نرتقي لدرجة شرف الدفاع عن أكرم الخلق هو أننا تركنا سنته في حسن الظن بالمؤمنين والابتعاد عن التنابذ والتفرق والتبديع والتفسيق والتكفير فوصفنا المختلفين معنا بالمارقين عن الدين أو الرويبضة أو منكوسي الرؤوس، واعتبر كل منا جماعته أو طائفته أو فرقته هي الجماعة السنية والفرقة الناجية والطائفة المنصورة، مع أن حديث اختلاف الأمة إلى بضع وسبعين فرقة حديث فيه كلام؛ ومع أن الله أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يبرأ ممن فرقوا دينهم شيعاً فقال جلّ من قائل: ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) .
*طبيبة وكاتبة ومستشارة اجتماعية
الكاتب: الدكتور محمد عبد الخالق شريبة
قال الله تعالى: ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [سورة الأعراف:157] .