فهرس الكتاب

الصفحة 2109 من 3657

أكثر من هذا أن تكفل القرآن بإذاعة حتى ما هو من خلجات الرسول وحديث نفسه الذى بينه وبين الله مما لا يطلع الناس عليه على نحو ما جاء في سورة الأحزاب في أمر الزواج بزينب بنت جحش والذى كان القصد التشريعى فيه إبطال عادة التبنى من قوله تعالى: (وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكى لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذ قضوا منهن وطرًا و كان أمر الله مفعولاً) (5) .

أقول: مع أن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم هى كتاب مفتوح لم يخف التاريخ منه شيئاً بل وتدخل القرآن ليكشف حتى ما يحدث به نفسه صلى الله عليه وسلم مما لا يطلع عليه الناس ، ولم يذكر له صلى الله عليه وسلم ذلةً ولا ذنبًا في قول أو عمل.

أفبعد هذا لا يتورع ظالموه من أن يقولوا أنه"مذنب"؟ !!!

ولو كان هؤلاء الظالمون لمحمد صلى الله عليه وسلم على شىء من سلامة النظر وصفاء القلوب لانتبهوا إلى بقية سورة الفتح ، والتى كانت كلها تثبيتاً للمؤمنين وللرسول وتبشيرًا لهم بالتأييد والنصر.. لو كان محمد صلى الله عليه وسلم - كما ادعيتم - من المذنبين والعاصين لكان من المستحيل أن يجعله الله تعالى ممن يؤيدهم بنوره ويتم عليهم نعمته ويهديهم صراطًا مستقيماً ؛ لأن النصر يكون للصالحين لا للمذنبين.

ونقف أمام الذنب في منطوق الآية:(ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر (فالذنب هنا ليس مما تعارف عليه الناس من الخطأ والآثام ؛ لأن سنة الله تبارك وتعالى هى عصمة جميع أنبيائه وفى قمتهم خاتمهم صلى الله عليه وسلم. وهذا مما يعرفه ويقره ويقرره أتباع كل الرسالات إلا قتلة الأنبياء ومحرّفى الكلم عن مواضعه من اليهود الذين خاضوا في رسل الله وأنبيائه بما هو معروف.

فالذنب هو ما يمكن اعتباره ذنباً على مستوى مقام نبوته صلى الله عليه وسلم ذنبًا مما تقدره الحكمة الإلهية ـ لا ما تحدده أعراف الناس.

ومع هذا كله فإن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة كانت محل تقدير قومه وإكبارهم له لما اشتهر به صلى الله عليه وسلم من العفة والطهر والتميز عن جميع أترابه من الشباب حتى كان معروفًا بينهم بالصادق الأمين.

أفبعد هذا لا يستحى الظالمون لمحمد صلى الله عليه وسلم والحاقدون عليه من أهل الكتاب أن يقولوا:

إنه مذنب ؟!!

(كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) (6) .

(1) الفتح: 2.

(2) الأنبياء 117.

(3) التوبة: 128.

(4) القلم: 5.

(5) الأحزاب: 37.

(6) الكهف: 5.

الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف

الرد على الشبهة:

وهى من أسوأ المفتريات على محمد صلى الله عليه وسلم الذى قال ربه عز وجل عنه: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى ) (1) .

لكن الحقد حين يتمكن من قلوب الحاقدين يدفعهم إلى المنكر من القول ومن الزور ، حتى إنهم ليتجرأون على قولٍ لا يقبله عقل عاقل ، ولا يجرؤ على مثله إلا المفترون.

فى هذه المقولة زعموا أنه حين كان ينزل عليه الوحى بالآيات التى أثبت العلم الحديث المعاصر أنها من أبرز آيات الإعجاز العلمى في القرآن فيما تتصل بمراحل خلق الإنسان من سلالة من طين ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلّقة وغير مخلقة ثم يكون إنشاؤه خلقًا آخر..

زعموا أن كاتب وحيه قال مادحًا مَنْ هذا خلقه: (تبارك الله أحسن الخالقين ) (2) .

ثم أفرطوا في زعمهم فقالوا إن محمدًا صلى الله عليه وسلم قال له: اكتبها فهكذا نزلت علىّ.. ؟! وهنا لابد من وقفة:

فأولاً: مما هو ثابت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحى يأخذ العرق يتصبب من جسده ويكون في غيبة عمن حوله.. فإذا انقضى الوحى أخذ في ذكر وتلاوة ما نزل عليه من القرآن ، وهذا ما تقرره كل كتب السيرة.

ثانياً: معنى ما سبق أنه صلى الله عليه وسلم لا يأخذ في الإملاء على كاتب وحيه إلا بعد اكتمال نزول الوحى واكتمال نزول الآيات المتعلقة بمراحل خلق الإنسان في سورة"المؤمنون".

ثالثًا: وبهذا يتضح كذب المقولة أن كاتب وحيه صلى الله عليه وسلم هو الذى أملاها عليه وأنه أمر بإثباتها.

رابعًا: أن لفظة"تبارك الله"تكررت في القرآن الكريم تسع مرات ، تلتقى جميعها في مواضع يكون الحديث فيها عن قدرة الخالق فيما خلق من مثل قوله تعالى:

(ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) (3) .

(تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا) (4) . (تبارك الذى جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا) (5) .

(تبارك الذى له ملك السموات والأرض وما بينهما ) (6) .

(تبارك الذى بيده الملك وهو على كل شىء قدير ) (7) .

فلماذا تعلم محمد صلى الله عليه وسلم من كاتب وحيه آية"المؤمنون"دون غيرها مما جاء في بقية السور ؟!!

(1) النجم: 3ـ4.

(2) المؤمنون: 14.

(3) الأعراف: 55.

(4) الفرقان: 1.

(5) الفرقان: 61.

(6) الزخرف: 85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت