فهرس الكتاب

الصفحة 2877 من 3657

فأمثال هذه الرسالات تجعل الباحث في أي شأن من شؤون الحياة يستبطن صورة ذلك (( المجتمع ) )بكاملها، إذاً السيرة ليست سجلاً لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم الخاصة، كلا . بل هي تدوين أمين لحياة المجتمع المسلم بأكمله ، ورصد لتحركاته الاجتماعية والسياسية وغيرها .

وهذا الإدراك القوي لمجريات الأحداث في المجتمع الأول يمدّ الفقيه والدارس بوسائل جديدة للترجيح خاصة حين يقف أمام إشكالية تتمثل في تعارض نصين خاصين ـ ظاهراً ـ وبالذات في القضايا العامة التي تقع على مرأى ومسمع من الناس، أو تكون حاجات ضرورية تهم الجميع خذ قضية: الصلاة ومواقيتها وهيئتها العامة وأحكامها الإجمالية .. قضية الأذان والإقامة .. المياه وأقسامها وما يجتنب منها .. الوضوء والغسل .. معاملة المشركين واليهود وغيرهم .. إلى مسائل أخرى كثيرة لا يأتي عليها الحصر يمكن التماس القول المعتمد فيها من خلال النظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة المجتمع الأول .

مثلاً:وجوب الغسل على الكافر إذا أسلم مطلقاً حتى لو لم يجنب حال كفره .. مسألة فقهية خلافية .. نعم لكننا نعلم أن الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا كفاراً فأسلموا وهم يعدون بعشرات الألوف .. بل الذين حضروا معه حجة الوداع يزيدون على مائة ألف فهل من الممكن أن يكون هؤلاء جميعاً أمروا بالغسل ثم لا ينقل إلا أمره صلى الله عليه وسلم لقيس بن عاصم ؟

صحيح أنه عليه السلام أمر قيساً بذلك لكن هذه القضية العينية الخاصة لا تدل على وجوبه على كل كافر أسلم بلا تفصيل .

مسألة أخرى: دعوى أن المشرك نجس العين يجب التحفظ منه حتى قال بعضهم: ( من صافح المشرك فليتوضأ ! ) هل يمكن قبولها في الوقت الذي نجد فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يساكنون قريشاً المشركة في مكة، ثم اليهود في المدينة .. وربما نزل الرسول صلى الله عليه وسلم ضيفاً على أحدهم أو أكل أو شرب في آنيتهم … ومن هنا جاء اعتماد الإمام مالك على المشتهر من عمل أهل المدينة لأنه سنة عملية يتلقاها اللاحقون عن السابقين .

وعلى العموم فإن هذه الجزئيات لا تعدوا أن تكون أمثلة فحسب،وإلا فالعناية بصحيح السيرة يمكن أن يستخرج منها المنهج العملي الإسلامي الذي يحكم جميع شؤون الحياة، سواء في معاملة المسلم داخل بيته أو مجتمعه، أو في علاقة الحاكم بالمحكوم، أو في علاقة الأمة المسلمة بغيرها في حال حربها وسلمها .

ولذا فإن من الضروري إخضاع مرويات السيرة لدراسة أخرى ـ غير الدراسة التوثيقية ـ تستهدف رسم معالم السياسات الإسلامية في العلاقات الدولية والاجتماعية، خاصة والمسلمون يعيشون مبادئ صحوة تدعو إلى تحكيم الإسلام في جميع مجالات الحياة .

الكاتب: د. أحمد عبد الملك

بلاشك، فإن نشر الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، أغضبت ملياراً وثلاثمائة مليون نسمة في العالم، ومناصريهم أيضاً ممن لا يجيزون التطاول على الأديان ورموزها أيا كانت تلك الأديان. ومن حق المسلمين، الذين شعروا بالإهانة والاستخفاف بأكرم خلق الله، أن يعبّروا عن غضبهم العارم، ويوصلوا صوتهم إلى العالم حتى لا تتكرر تلك الإساءة الكبيرة، ويعرف الذين يتغنون بالحريات والإباحيات بأن لكل حرية حدوداً... وأن التجاوز على حريات الآخرين ليس من الحرية.

من هنا، فإن الدعوات العاقلة التي خرجت من بعض البلدان العربية لمعالجة المشكلة مع الدانمرك، يجب أن تلقى التشجيع والتأييد، وحتى لا تبدأ معارك جديدة تسهم في صراع الحضارات، في الوقت الذي تتنادى فيه الدول لتبني مشاريع فاعلة نحو حوار الحضارات.

نعم حصل هنالك خطأ، وقد يكون مقصوداً ضد المسلمين، وتوجد حالات يتوجب فيها الاعتذار. ولو لم يتذرع أصحاب الصحيفة بالحرية وقاموا بالاعتذار عن الخطأ المشين، لما حصل ما حصل. لكن إعادة نشر الصور المسيئة مرة أخرى، وقيام صحف وتلفزيونات أوروبية وعربية بنشر تلك الصور، بل وقيام وزير إيطالي بارتداء قميص طبعت عليه تلك الصور، كل ذلك لا يندرج تحت الحرية، إن لم نصنّفه على أنه تحدٍ لمشاعر المسلمين، أو عبث سلوكي يُقصد به تأجيج الحرب وتعقيد حوار الحضارات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت