بالطبع لا أيضا.. فالمسيح لم يأت من إدوم، ولم يكن عليه السلام يرتدي ملابس مستوردة من بصرى! ولم يكن له أيضا قوة عظيمة يخرج فيها.. كما أن تلك الصفات لم يتحقق منها شيء على القدس بعد بعثة المسيح عليه السلام؛ فلم تأت إليها الإبل من جنوب الجزيرة العربية!!! ولم تجتمع إليها أغنام قبائل مكة!!! ولم يحل بها أمن أو أمان، بل إن أول ما حدث بعد رحيل المسيح عليه السلام هو اضطهاد تلاميذه وفرارهم في ربوع الأرض!، وتاريخ القدس على مر العصور خير شاهد على الظلم والدمار وسفك الدماء، ولا زالت القدس حتى الآن تعاني الجراح، وتشتكي الآلام، ولازال شعارها المرفوع دائما هو الأرض (مقابل السلام!!) ..كما لم يزعم أحد من الأولين أو الآخرين أن الله قد بعث المسيح عليه السلام لكي ينتقم به من أعدائه أو ليدوس الشعوب المتمردة على ربها بقدمه ويرش عصيرهم على ثيابه ويلطخ كل ملابسه!!، وبذلك فلا يمكن حمل النص أيضا على المسيح عليه السلام..
إذن فمن يكون ذلك الأخير الذي بعثه الله لإصلاح الأرض بعد إفسادها؟!!
من يكون ذاك الذي أيده الله بالقوة الروحية فبشر المساكين وعصب منكسري القلب ونادى المسبيين بالعتق والمأسورين بالإطلاق وعزى النائحين، وأيده بالقوة المادية فانتقم من أعداء الله وداس الشعوب المتمردة على ربها بقدمه ورش عصيرهم على ثيابه ولطخ كل ملابسه؟!!! من يكون ذلك البهي المتعظم في كثرة قوته؟!! من يكون إذن يا ترى؟!!!
ويعود النص ليؤكد أن الأمن والسلام هما شعار هذه الأرض؛ فيخبر أن أبوابها تفتح ولا تغلق، وأنها لا يظلم فيها أحد بعد اليوم ولا يحل بها خراب:
60: 11 وتنفتح أبوابك دائما نهارًا وليلاً لا تغلق ليؤتى إليك بغنى الأمم وتقاد ملوكهم.
60: 18 لا يسمع بعد ظلم في أرضك ولا خراب أو سحق في تخومك بل تسمين أسوارك خلاصًا وأبوابك تسبيحًا.
وهذا الكلام لا ينطبق أبدًا علي القدس كما قلنا.. أليست القدس هي أرض الظلم، وأرض الخراب، وأرض الحروب والنزاعات إلى اليوم؟!!
أليست تهدم البيوت بالدبابات، ويقتل الغلمان بالرشاشات، ولا تكاد تسمع فيها سوى صوت الانفجارات؟!!
ثم إن أبوابها تغلق أكثر مما تفتح!!.
هل يصر الآن عاقل أن هذا النص يتحدث عن القدس؟!!
إذا أصر على رأيه فإن عليه أن يقتل التاريخ، وإن لم يستطع أن يقتل التاريخ فليقتل حتى آرييل شارون!!!
أما مكة فهي الأرض المطمئنة، والبلد المعمورة، التي لا تقام فيها الحروب، ولا تسفك فيها الدماء، ولا تغلق أبدًا أبوابها، ولن تغلق أبدًا؛ لأنها الأرض التي وطأتها خير قدم، واستظل بسمائها أكرم بشر، وعاش عليها النبي المحمد، الذي رفع الله قدره، وأعلى شأنه.. حتى قبل أن يبعثه..حتى قبل أن يخلقه..حتى قبل أن يخلق العالم..
نسخة مما ذكره معجم الطرق القديمة عن مملكة إدوم http://www.ancientroute.com/empire/edom.htm
وترجمته بالعربية: (( إدوم بدأت من النهاية الجنوبية للبحر الميت إلى مساحات من الصحراء العربية إلى الشرق، ومن هذا الخط امتدت إدوم لتشمل كل الأراضي جنوب البحر الأحمر والأراضي على طول الساحل الشرقي للبحر الأحمر..والجزء الجنوبي من إدوم كان عبارة عن أرض صحراوية ممتدة واشتملت إدوم على جزء من طريق البخور يمتد جنوبًا إلى شيبا والتي تمثل منطقة اليمن حاليًا) .
يعرفونه كما يعرفون أبناءهم
فالآية الكريمة: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [ سورة البقرة الآية:146] ، تدل على أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى يعرفون محمداً - صلى الله عليه وسلم -كما يعرفون أبناءهم ، والقول بعودة الهاء في قوله تعالى: (يعرفونه) على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - مروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - [الإمام ابن الجوزي في تفسيره زاد المسير1/158 ] ،وقال به مجاهد وقتادة وغيرهما [الإمام القرطبي في تفسيره 2/162] ، وهذه المعرفة لم تكن بسيطة ، بل كانت في أعلى مستويات المعرفة ، بدلالة هذه الآية الكريمة .