فما أحوج أمتنا اليوم إلى أن تعي درس الوحدة والارتباط، وأن تجمع صفوفها وتلملم شأنها وتعتصم بحبل ربها؛ حتى تقوم من كبوتها وتعود إلى سؤددها وسالف مجدها العظيم.
** ماجستير طب الأطفال - جامعة الزقازيق وليسانس الشريعة الإسلام
صبحي مجاهد**
ذكرى عطرة تعود علينا كل عام تنتظرها القلوب، وتهفو إليها النفوس، ونتلمس فيها النور النبوي، إنها ذكرى مولد سيد الأنام، ونور الهدى، وطبيب القلوب سيدنا ونبينا ومولانا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم.
ويقف المسلم مع هذه الذكرى النورانية حائراً، في كيفية الاحتفال بها؟، وكيف يجعل من مجتمعه ساحة للاحتفال الإيماني بالنبي الهادي.. أسئلة حملناها إلى عدد من علماء الأمة الإسلامية في مختلف الأقطار، فأجابوا عنها بمشاعر فاضت بالنور والحب للرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم.
فهناك العديد من المعاني الإيمانية التي تحييها هذه الذكرى العطرة؛ أهمها ما أوضحه الدكتور محمد البشاري- رئيس الفيدرالية العامة لمسلمي فرنسا، أمين عام المؤتمر الإسلامي الأوروبي؛ قائلا:"من المهم سؤال النفس عما قدمته في السنة الماضية؟ وماذا فعلت من أجل رضا الله ورسوله؟ لأنها ذكرى تحيي روح التمسك بسنته صلى الله عليه وسلم."
ويعيب د. البشاري على من يجعل الاحتفال بمولد الهادي ليوم واحد في العام، ويقول:"ينساق عالمنا اليوم إلى إحياء اليوم الواحد في الذكريات العامة والدينية؛ حيث جعلنا يوما للمرأة ويوما للعمل، وصار الاحتفال بالرسول يوما في حين أنه يجب أن يكون يوميا؛ بالاقتداء به كل يوم في حياتنا، وجعله أحب إلينا من أنفسنا وأرواحنا وأزواجنا".
ولمسلمي الغرب وسائل متميزة في الاحتفال الإيماني بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما يوضحه د. البشاري بقوله:"لهم فرصة كبرى في عقد اللقاءات الروحية المستمرة احتفاءً بالنبي صلى الله عليه وسلم كل يوم؛ لأن الرموز الدينية تدعم الجانب الروحي لمسلمي أوروبا. وفي هذا العام سنعقد لقاءً إيمانيا في"تمبكتو"بدولة مالي حيث نحيي ذكرى المولد النبوي".
ويضيف البشاري:"يعد الاحتفال فرصة لجمع المسلمين على قلب رجل واحد، ويجب أن نستغل حادث الدانمارك، وما أفرزه من ثورة إيمانية في تحريك القلوب وتوجيه الغضب واستثماره بشكل إيجابي في واقعنا".
احتفال 5 مرات يوميًا
ويلتقط الدكتور إبراهيم أبو محمد- رئيس المؤسسة الأسترالية للثقافة الإسلامية- أطراف الحديث، فيرجع أهمية استمرار الاحتفال على الدوام؛ إلى اختلاف شخص الرسول صلى الله عليه وسلم عن كل الشخصيات، خاصة أن الله تعالى جعل له احتفالًا ربانيًا يتم خمس مرات في اليوم والليلة، عندما نقول في صلواتنا"السلام عليك أيها النبي"، إذ جعلت صيغة الصلاة عليه بصيغة المخاطب الحاضر، لتؤكد أن النبي يجب أن يكون حاضرا في حياة الأمة والفرد والمجتمع خمس مرات في اليوم والليلة.
ولا يمكن أن يكون الاحتفال بكلمات تلهب المشاعر دون عمل حقيقي؛ وهذا ما أكد د. أبو محمد أمرا على أهمية تغييره، ويوضح أن خير احتفال برسول الله صلى الله عليه وسلم إحياء منهجه وسنته والعيش على ضربه، وجعله يعيش في حياتنا وكأنه السيد المطاع بين السادة الأتباع.
ويحتاج المؤمن إلى دائمًا إحياء حب الرسول في قلبه؛ وعن هذا يقول د. أبو محمد:"لا بد أن يعبر الاحتفال بالمولد عن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن القلب لا يموت وفيه حب الرسول، وإذا ماتت محبة الرسول من قلب المؤمن ضاع وتاه وضل الطريق".
وعليه فلابد وأن نفرق بين الحب والاتباع، حيث يقول تعالى لنبيه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (آل عمران: 31) .
فلم يقل"فأحبوني"؛ وكأن الاتباع الحقيقي للرسول صلى الله عليه وسلم هو ثمرة للحب، وكلما ازداد هذا الحب عمقا، وازداد شعاعه تألقا؛ اقترب المسلم من مرضات الله، وأصبح أهلا لرحماته"."
وعن الاحتفال هذا العالم؛ يشير د. أبو محمد:"يشهد المسلمون إهانة نبيهم، وتطاولا لا يستند إلى قيم أو أخلاق، ومن ثم لابد أن يكون احتفالهم معبرا عن نصرة نبيهم".
ويرى الدكتور محمد فؤاد البرازي -رئيس الرابطة الإسلامية بالدانمرك- أن هذه النصرة يجب أن تبتعد عن بدع الاحتفال، وقصرها على الدروس والمحاضرات التي تثري المعرفة بشمائله وسيرته العطرة صلى الله عليه وسلم.
ويتابع البرازي:"تحيي ذكرى المولد النبوي في النفوس مشاعر الحب للرسول، والاقتداء به صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى بذل الوسع في تعريف صفاته بكل لغات العالم، وباستخدام كل الوسائل المسموعة والمقروءة والمرئية، كي يعرف العالم من هو رسول الله؟ وماذا يعني ميلاده من فضل ورحمة للبشرية جمعاء؟".
تدريب اجتماعي