وقال كذلك _رحمه الله_:"وقد ذكرنا ما جربه المسلمون من تعجيل الانتقام من الكفار إذا تعرضوا لسب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وبلغنا مثل ذلك في وقائع متعددة، وهذا باب واسع لا يحاط به، ولم نقصد قصده هنا وإنما قصدنا بيان الحكم الشرعي، ونظير هذا ما حدثناه أعداد من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة عما جربوه مرات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا، قالوا: كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس منه حتى إذا تعرض أهله لسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والوقيعة في عرضه تعجلنا فتحه وتيسر ولم يكد يتأخر إلا يوماً أو يومين أو نحو ذلك، ثم يفتح المكان عنوة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة، قالوا: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه مع امتلاء القلوب غيظاً عليهم بما قالوه فيه وهكذا حدثني بعض أصحابنا الثقات أن المسلمين من أهل المغرب حالهم مع النصارى كذلك ومن سنة الله أن يعذب أعداءه تارة بعذاب من عنده وتارة بأيدي عبادة المؤمنين".
10 -عداوة اليهود والنصارى للمسلمين، بل يزيد حنقهم إذا ارتفع الإسلام وظهر يقول الله _عز وجل_ عنهم:"قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ" (آل عمران: من الآية118) ، ويقول _جل وعلا_:"لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" (آل عمران:186) .
هذا وأسأل الله _عز وجل_ أن ينصر دينه وأن يعلي كلمته إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. خالد الطراولي**
يعجب المرء من تطاول الألسنة على نبي الإسلام ونسج الأقلام المتطرفة لخيوطها حول الإسلام كدين وحضارة، باسم حرية الإبداع والرأي.
وعزاؤنا الوحيد أن من افترى واستهزأ كان غالبا في ضفة الجهلة بهذا الدين؛ ممن استرعى سرطان الكراهية والعداوة عقله وعاطفته، وران ذلك على قلبه فلم يعد يسمع ولا يرى.
ولم يقترب أحد بموضوعية وحلم واعتدال من هذا الرجل، وهم كثير في الضفة الأخرى، إلا أعطاه حقه أو قارب ذلك؛ فمنهم من جعله أحد كبار المصلحين، ومنهم من رأى فيه أحد الثائرين العظام، وقائمة المقسطين تطول.
عزاؤنا أنه من عدل وأنصف كان غالبا أقرب إلى ثقافة العقول من ثقافة البطون، كانوا أفرادا في مخابرهم أو جامعاتهم، همّهم نفع ذواتهم وأوطانهم والإنسانية جمعاء.
لسنا ضد النقد والاستفسار والدراسة، فهذه موائد الكرام التي ندعو إليها بكل حب وشره وثبات، غير أن المرفوض فكرا وذوقا هو السقوط في التعريض والتشويه الظاهر والمبطن الذي يستسقي ينبوعه من حسابات سياسية ضيقة، أو دينية وضيعة، أو جهل مدقع!.
الفاضل.. لا يحتاج دفاعا
وبعد، هل يحتاج رسول الله إلى الدفاع عنه؟ لست أدري لماذا اغرورقت عيناي بالدموع وأنا أكتب هذه الجملة؟ وها أنا أسجلها! هل يحتاج إلى دليل وحجة ومحام، من كرس كل حياته إلى رسالة هداية لم يجعلها خاصة بقومه أو بقبيلته أو بجنسه؛ بل أرادها رحمة للعاقل ولغير العاقل، بَشَرا وحيوانا وجمادا {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} ؟.
لم يفقه الكثير ممن حولنا هذه العلاقة الفريدة التي تربط هذه الأمة بصاحب قيادتها، لم يفهم ولم يستوعب أقوام من غير ضفتنا هذا اللقاء الحي والدائم وهذا الحب المتبادل والمسترسل بين جموع حاكمة ومحكومة، وبين هذا الأمي الغائب الحاضر في كل آونة وحين.
وحتى تنجلي الغشاوة، وتنقشع سحب قلة الزاد، يطيب لي مرافقة من اقتطع تذكرة هذه المصافحة بدون مين أو مواربة، ومن ركب دون إذن مسبق، في هذه الرحلة القصيرة، في مشاهد عابرة... حتى لا نلام مجددا على حب النبي!.
فمشاهد الحب والرحمة مع أمته لا تقاس ولا تنتهي. لم نغب يوما عن ذاكرته، ولا عن يومه وليله، حتى في أعز الأمكنة، وأفضل الأحوال التي ينسى فيها المرء ذاته. لما وقف أمام ربه يقول: لا أسألك عن فاطمة ولا عن الحسن ولا عن الحسين، أسألك عن أمتي.. أمتي!.
لا تلومونا على حب النبي.. فرفعة منزلته لم تقلل من تواضعه وبساطته، وقف أمامه ذات مرة أحد الأعراب، فاستشعر عظمته ووقاره وتواضعه، فارتجف واضطرب هيبة من الرسول الكريم، فهدّأ من روعه قائلا له: هوّن عليك، فما أنا بملك ولا سلطان، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد!.
زاهد.. عاش لغيره