فهرس الكتاب

الصفحة 2954 من 3657

9 ـ قضية: نقض (الدروشة) في رفع الشعار المستهلك: شعار (الآخر) . فقد اندفع أناس من المسلمين يرفعون هذا الشعار رفعا جلدوا به الأمة العربية الاسلامية بحسبانها هي (الرافض) الاعظم للآخر. ولسنا ننفي ان بيننا غلاة يفعلون ذلك. لكن جلد الامة كلها بسبب هذه التهمة، سلوك فيه من الافتراء والبهتان والجور ما فيه، بدليل ان هذا الآخر الذي يتباكون عليه لأنه منبوذ وغير معترف به.. هذا الآخر نفسه يمارس ضد المسلمين: النبذ... والاقصاء.. والكراهية.. والحقد.. والعداوة، والتطاول على نبيهم.. والغريب العجيب المريب: ان الذين رفعوا أصواتهم عالية جدا: دفاعا عن (حق الاخر) : التزموا الصمت المطبق تجاه هذا (الآخر) : الكاره، النابذ، المقصي، المعتدي!!!

الكاتب: د.سلمان بن فهد العودة

يا رسولَ الله..

حبُّك في مهجتي كالدر في الصدفِ

والشذى في الروضة الأنفِ

والفرات العذب في الدِّيمِ

ليس كالمختار في البشرِ..

فهو كل السمع والبصرِ..

واحد التاريخ والسيرِ..

وإمام الرسل والأممِ

لقد قرأت سير المصلحين, والعظماء والزعماء, وأئمة المذاهب الكبار, حتى إني قد أشعر حين أقرأ عن أحدهم أني أمام جبل وعر صعب المرتقى؛ لأنهم أخذوا أنفسهم بشيء من الجد الذي يصيب المرء بالعجز عن إدراكه, وصعوبة الاقتداء به، وربما استحالته, أما إمام هؤلاء جميعاً وسيدهم قاطبة محمد صلّى الله عليه وسلم؛ فتشعر وأنت تقرأ سيرته بالسهولة والقابلية للتطبيق, والقرب من النفس البشرية وطباع الناس، وهذا سر بديع من أسرار إعجاز الشخصية النبوية.

وهو صلّى الله عليه وسلم قائد الركب, وسيد ولد آدم:

وَكلُّهُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ مُلْتَمِسٌ

غَرْفاً مِنَ الْبَحْرِ أَوْ رَشْفاً مِنَ الدِّيَمِ

وهذا المعنى -والله أعلم- هو سر بشريته, وعظمته في آن.

* لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (الحاقة:44-47) ، أمام المؤمن والمشرك, والوثنيون يحاربونه, ويشنّون عليه حملات إعلامية وكلامية, باحثين عن أيّة ثغرة ينفذون منها للطعن في مصداقية الدعوة والداعية، فلم يكن ذلك يثنيه عن التبليغ بكل شيء, ولو كان هذا الشيء معاتبة له من الله عز وجل.

وفي المدينة: يتربص يهودها ومنافقوها بهذا الدين الدوائر، ويرجعون البصر كرة وكرتين في حقيقة الرسالة:

هل يرون من فطور؟

* أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (عبس:2) ، وكان يعلِّمها أصحابه, ويؤمهم بها في الصلاة، وأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم يكتبون كل كلمة وحرف, ويدوّنون كل همسة ولمسة تصدر منه صلّى الله عليه وسلم؛ فسيرته سجل مفتوح للناس كلّهم أجمعين, ومدوّنة واضحة دقيقة في كل شيء يخصه عليه أفضل الصلاة والسلام.

وبكل هذا الجلاء في سيرته دون استثناء كان أمثل خلق {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } (القلم:4) ؛ وأصدق لسان {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} (النجم:3) ، وأبين حجة {بِلِسَانٍ عَرَبِي مُبِينٍ} (الشعراء:195) ، وهو في كل ذلك (إنسان) له صفات الإنسان؛ ليكون أيسر في الاتباع, وأسهل في الاقتداء، ولكي يعلم الأتباع المؤمنون -ولو بعد عدة قرون- أن مشاعر النبي صلّى الله عليه وسلم وأحاسيسه ليست بدعاً من المشاعر، وأن ما يلحق الناس من أذى ومضايقة من المشركين وغيرهم, أو فرح وسرور ينال النبي صلّى الله عليه وسلم منه أوفر الحظ والنصيب، فغدت هذه الأيام التي يداولها الله على الناس تبييناً لمعدن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وسمُوِّ أرومته، وطريقة تعامله مع الأحداث المختلفة والظروف العادية والاستثنائية {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} ( النساء:165) .

وسيد الرسل هو محمد صلّى الله عليه وسلم, الذي كان كالشمس للدنيا, وكالعافية للناس فهل لهما من بديل أو عنهما من عوض؟

ولا شك أن النبي صلّى الله عليه وسلم أكمل صورة بشرية جاء للناس من أنفسهم فلم ينزل من السماء، ولم يكن مَلكاً {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} ( الأنعام:9) ، بل كان بشراً رسولاً {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة:128) , لقد كانوا يعرفونه عليه السلام, ويعاملونه, ويصفونه بالصادق الأمين، ولم يزل صلّى الله عليه وسلم يترقّى في مدارج ومعارج الكمال حتى قُبِض على أكمل ما يكون صلّى الله عليه وسلم، قُبِض وهو متلبّس بالعبادة والدعوة, والتوجيه والإرشاد, والأمر والنهي, والوصية حتى في اللحظة التي انتقل فيها من هذه الدنيا-بأبي هو وأمّي عليه السلام- عملاً بقوله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (الحجر:99) .

* وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى* وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (الضحى:6-8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت