أحسب أن ما سبق تقريره في النقطة السابقة يُجيبنا عن هذا السؤال!
ولذلك فإنه لما خلط بعض الفضلاء بين المقاطعة (وأهدافها) وبين حق النبي (صلى الله عليه وسلم) بنَوا على ذلك استمرار المقاطعة إلى الأبد، ذلك أن حق النبي (صلى الله عليه وسلم) لا يسقط بحال، فوجب أن تكون المقاطعة ماضية إلى الأبد !
وهذا التقرير خطأ من وجهين:
الأول- أن فيه خلطاً بين حق النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي لا يسقط بحال، وواجب الأمة الذي لا تبرأ بتركه بحال، وقد تقدم ذلك. الثاني- أنه لو اعتبرنا المقاطعة عقاباً لمن نال من النبي (صلى الله عليه وسلم) أو استيفاءً لحقه منه، فإن فيه خلطاً بين المسيء الشاتم الساخر - وهو الرسّام-، والمقِرّ له -وهو الصحيفة والحكومة-، وبين الشركات التجارية والتجّار والشعب المقصودين بالمقاطعة! فلئن كانت المقاطعة عقاباً فليُنزل بمستحق العقاب فقط، ولئن كانت استرجاع حق فليؤخذ من المعتدي فحسب !!
وحينئذ؛ فلا يسعنا إلا أن نقول: إن المقاطعة وسيلة شرعية يُراد بسلوكها تعريف المعتدي بخطئه، وإقراره بجرمه، وإقلاعه عنه، وعدم عودته إليه... الخ، وذلك ما يمكن أن يُحدّ بمطالب يضعها أولوا العلم والبصيرة في الدين وأهل الدراية في الأمة، ممن أوتي حظاً وافراً من الموازنة بين المصالح والمفاسد، وترجيح المتكافئ منهما، مع فقه تام بالواقع ومجاري الأحداث وتطورات الأوضاع؛ وصولاً إلى تحقيق المصالح من المقاطعة، واجتناباً لما يُتوقع من مفاسد، دون أن يكون لذلك أدنى أثر فيما يتعلق بحقه (صلى الله عليه وسلم) ، بمعنى أن الرسّام الآثم لو جاءنا بمعاذير الدنيا كلها وقبّل منا الأيدي والرؤوس والأرجل، طالباً أن نصفح عنه ونغفر له خطأه ... فإن الأمة لا تملك ذلك بحال !
وهنا يجب أن نعلم أن من الفقه: فقهَ حال الأمة اليوم ومعرفة وزنها بين الأمم؛ لتحديد المطالب التي يسمح بها ثقلُها ووزنُها، وأن الأمة اليوم في غَلَبة وضعف من أمرها إلى حدّ أشبه بوضع الإسلام في العهد النبوي المكي منه في العهد النبوي .
ولذلك فليس من الحكمة اليوم المطالبة بمطالب أكبر من حجم الأمة، أو الإصرار على إقامة حدّ شاتم الرسول (صلى الله عليه وسلم) على المعتدي بتلك الرسوم، فإن كل ما ورد في السنة من وقائع أمر فيها النبي (صلى الله عليه وسلم) أو أقرّ فيها بقتل من شتمه وهجاه إنما هي وقائع مدنية، كقصة كعب بن الأشرف، وعصماء بنت مروان الخَطْمية، والأعمى الذي قتل أم ولده، وغيرها كثير، حتى قتل عبدالله بن خَطَل الذي كان متعلقاً بأستار الكعبة يوم الفتح، كل ذلك إنما كان أيام صولة الإسلام بالمدينة وقوة دولته، وأما قبلُ.. فلم يُعرف أنه (صلى الله عليه وسلم) انتقم ممن كان يؤذيه، مع أنه كان يناله في مكة من الأذى والشتم ما هو أشد مما كان في المدينة، بل ما هو أعظم من الشتم وأمرّ ! ألم يوضع سلا الجزور على ظهره وهو ساجد؟ فلم يكن (صلى الله عليه وسلم) - مع شدة غضبه- يصنع شيئاً أكثر من الدعاء ؛ مراعاةً للمصلحة، ومعرفة بما يناسب الوضع آنذاك.
أو لم يكن يملك قتل عقبة بن أبي معيط أو الوليد ين المغيرة أو أبي جهل أو أبي لهب أو غيرهم من صناديد الكفر أو يأمر خفية بقتلهم ؟!
بلى.. ولكن الحكمة النبوية الراشدة التي تزن المصالح والمفاسد لم تكن ترى مثل هذا الرأي في ظرف كذلك، وهي ذاتها الحكمة النبوية القائلة في المدينة -بعد العز والتمكين-:"مَن لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله"،"ألا آخذٌ لي من ابنة مروان؟"، وقيل له يوم الفتح: هذا ابن خَطَل متعلق بأستار الكعبة، فقال:"اقتلوه"!!
وليفطن كثير من الغيورين ممن أخذتهم الحمية أن كثيراً مما يمارسونه أو ينادون به من قتل وحرق ونحوه قرارات حمقاء! خاصة في ظل ظرف الأمة الراهن وأوضاعها المزرية، مما قد يُفسد ثمار المقاطعة الناجحة، فيقلب الكفة لصالح العدو.
وكم نحتاج في هذه المرحلة إلى حكمة تفقه الحِكم النبوية في أطوار الأمة ومراحلها وما يناسب كل مرحلة منها؛ لنفرّق جيداً بين: الحكمة والفقه في الدين، وبين: الخَوَر والانهزامية والاستسلام لواقع الأمة المرير ،،،
نتيجة لاتساع النشاط الإنتاجي للشركات في العقود الأخيرة وتجاوزه للحدود الجغرافية والسياسية، مما جعل البعض يطلق على هذه الشركات مسميات من قبيل"الشركات متعددة الجنسية"أو"الشركات فوق القومية"، بسبب أن إنتاجها الضخم لم يعد محصوراً بدولة واحدة أو بقعة جغرافية معينة، وأصبح من الضروري النظر للسلع المنتجة والمنتشرة في الأسواق من زوايا عدة لتؤتي المقاطعة الاقتصادية أثرها المرجو.
ويمكن تلخيص هذه الزوايا أو المرتكزات في ثلاث مرتكزات لأي سلعة من ناحية العوائد المستفادة منها، وهي كما يلي:
1 الشركة المنتجة: وهي الشركة المالكة للمصنع المنتج للسلعة، ويسجل اسمها على السلعة عادة قبل اسم البلد المنتج.