وكذلك اعتقاد أنه لا عصمة لأحد من خطأ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الاجتهاد حق بل واجب على كل من استكمل آلته من علماء الإسلام؛ لأنه لا بصيرة، ولا عمل بالكتاب والسنة والدين إلا باجتهاد أهل العلم، الذين ينزلون آيات القرآن منازلها، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مواقعها، هذا مع وجوب حفظ تراث أهل العلم وجهودهم في تبويبه وتأصيله، وفقهه وتعليمه، وألا تكون مذاهب العلماء بمثابة شرائع مستقلة لأهل الإسلام حتى لا يتفرقوا في الدين.
من مقال:' الثوابت الأساسية في الإسلام'.... للشيخ/ عبد الرحمن عبد الخالق
الخميس 13 شوال 1425هـ - 25نوفمبر 2004 م مفكرة الإسلام:
تحتاج الأمة، وهي تتلمس طريقها نحو النهضة إلى ما يسمى:' بالحس التاريخي' تعي فيه ذاتها وتحقق أصالتها، وأي أمة خلت من هذا الحس التاريخي؛ هي أمة تابعة مقلدة لاهثة، لا تعي ذاتها وبالتالي لا تملك ذاتها، ومصيرها يكون إلى زوال.
ودراسة الدعوة الإسلامية في مراحلها الأولى طريق إلى إيجاد الحس التاريخي في هذه الأمة، وإنعاشه وبلورته إلى عمل فعّال في استثارة كوامن الطاقات الإسلامية وتجميعها وتوجيهها نحو الخير والعطاء. وقد واجهت الدعوة الإسلامية من اللحظة الأولى لظهورها الوثنية وتزعمتها قريش، وبشكل خاص بعد أن اعتَنق الدعوة كثير من أهل الفضل منهم، ووقفوا في سبيلها بمختلف الوسائل، ومن هذه الوسائل:
1-اتهام الرسول صلى الله عليه وسلم بمختلف التهم ليبعدوا الناس عنه: فكانوا يقولون:'هذا أساطير الأولين', قال تعالى:وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [5] } [سورة الفرقان] . ونعتوا الرسول صلى الله عليه وسلم بالكاهن حينًا، والكاذب المفتري حينًا، والمتعلم المقتبس من غيره حينًا, وظلوا يكرّرون ذلك حتى آخر العهد المكي, قال تعالى:وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [4] } [سورة ص] . وقال سبحانه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا [4] } [سورة الفرقان] . ووصفوا القرآن بالسحر، قال تعالى:...وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [43] } [سورة سبأ] .
2-اتبعوا أسلوب الحِجاج، فكانوا يحاجّون الرسول صلى الله عليه وسلم: وهو أسلوب أهل الكتاب،
ومن قوله سبحانه وتعالى يبيّن أسلوبهم في الحجاج:سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [148] } [سورة الأنعام] . وقوله تعالى: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [24] وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [25] } [سورة الجاثية] .
3-مطالبة الرسول بالمعجزات وتحدّيه: فقد طالبوه بالمعجزات والآيات برهانًا على صدق دعواه، قال سبحانه:وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا [90] أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا [91] أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا [92] أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [92] } [سورة الإسراء] .