فهم شهداء الله في أرضه من شهدوا له بالصلاح؛ نال الجنة، ومن شهدوا عليه بالشر؛ كانت النار مصيره . بل يشهدون لكل نبي على أمته بما أنزل الله إليهم من القرآن.
ولأجل هذه المهمة العظيمة، وهذه الخيرية المطلقة على كل أمم الأرض فإن الله اختصهم بأنواع كثيرة من رحمته، منها:
أن العبادات التي كلفوا بها قليلة، ولكن جعل الله لهم من الأجر ضعف ما أعطى الأمم السابقة كما قال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَءَامِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [28] 'سورة الحديد'.
وقال صلى الله عليه وسلم:'مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً قَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ قَالُوا لَا قَالَ فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ' رواه البخاري.
وقد حفظ لهم القرآن من التغيير والتبديل، وحفظ لهم سنة نبيهم، ولم يمت رسول الله ويتركهم إلا وقد أسس الدين، وأتم الله به النعمة، وكملت الشريعة، وتركهم على مثل المحجة، ومكن الله لهم في الأرض فأصبحت الجزيرة العربية كلها خاضعة للدين. وهذا بخلاف جميع الرسل قبل رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فإن موسى عليه السلام مات وقومه ما زالوا في التيه. وعيسى عليه السلام رفعه الله إلى السماء، وتلامذته خائفون مختفون من أعدائهم.
والخصائص والفضائل التي اختصت بها هذه الأمة كثيرة جدًا... من أجل ذلك يجب اعتقاد هذا الفضل لأمة الإسلام، وتعظيم أصحاب رسول الله الذين هم خلاصة الأمة، ونقاوتها، وأهل السبق والسابقة فيها وهذا من عقائد الإسلام الراسخة.
خاتمة: والخلاصة أن من ثوابت الإسلام وأصوله الأصيلة: الاعتقاد بكمال القرآن وحفظه، وأنه لا يوجد قرآن غيره بأيدي أحد من الناس، ووجوب التحاكم إلى هذا القرآن في الصغير والكبير، وتحكيمه في حياة الأمة، ووضعه حيث وضعه الله سبحانه من الحكم به في جميع شئوننا.
وكذلك حجية السنة وأنها بمنزلة القرآن اعتقادًا وعملًا مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ... [80] 'سورة النساء'.
والإيمان بعدالة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمانتهم في نقل القرآن والسنة، وأنهم النموذج الذي يجب أن يحتذى في الدين والجهاد والصبر، وكذلك في فهم الدين اعتقادًا، وعملًا.
والاعتقاد بفضل آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وإنزالهم منزلتهم، وأنهم كانوا مع القرآن لم يفارقوه .
ووجوب الموالاة بين أهل الإسلام جميعًا، ووجوب المعاداة والبراءة من الكفار جميعًا ولو كانوا من الآباء والأخوان .
واعتقاد فضل هذه الأمة الإسلامية على جميع أمم الهداية، وأنهم حملة رسالة الله الخاتمة إلى أهل الأرض جميعًا. ووجوب قيامهم بما كلفهم الله به: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ... [110] 'سورة آل عمران'.
وعالمية رسالة الإسلام، وأنه الدين الذي يجب أن يكون دين الناس جميعًا، وأن البشر جميعًا يجب إن يخضعوا له كما قال تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ... [39] { 'سورة الأنفال'. وقوله تعالى:} قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا... [158] 'سورة الأعراف'.
وأن غاية الرسالة المحمدية هي تعبيد الناس لله سبحانه وتعالى. وأن هذه هي مهمة الرسل جميعًا قبل رسولنا صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ... [36] 'سورة النحل'.
وأن الإسلام جاء ليهذب النفوس، ويزكيها بالإيمان والعمل الصالح والخلق الكريم: 'إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ' رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد. وأن على دعاة الإسلام أن يعملوا لبناء هذا الإنسان الصالح، والمسلم الكريم، والنموذج الذي يحتذى به كما جاءت أوصافه في الكتاب والسنة.
وكذلك وجوب الاعتقاد بشرف اللغة العربية؛ لنزول القرآن بها، وأنها لسان الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، وجعل هذه العربية هي اللغة الأولى لكل مسلم في الأرض؛ لأنه لا تتم عبادته في صلاته إلا بها، ولا يفهم الإسلام فهمًا كاملًا إلا بجمعها، ومعرفتها بعلومها البالغة اثنى عشر علمًا، أهمها ورأسها:'علم النحو'.