وتتبلور هذه المظاهر الانفتاحية في الهجرة من خلال سلوكيات سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم التي جعلت من الهجرة حركة تاريخية رائدة فضلاً عن كونها المحك الإيماني الفذ الذي صنع الرجال، والبوتقة التي انصهرت فيها جميع التيارات الحضارية السائدةآنذاك، ولن يتحقق التجسيد الحيوي لأبعاد هذه المظاهر إلا من خلال معرفة أكيدة بأن رسولنا صلي الله عليه وسلم قد وضع خطواته الأولي في الدرب صوب يثرب المدينة وقلبه يخفق بهذا الدعاء: وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً . وكان يعلم جيداً أن حركة الإنسان في التاريخ لا تستقيم وتصل إلي هدفها إلابأن يرفع الإنسان بصره وفؤاده وعقله وسمعه وحسه إلي السماء يتلقي عنها الصدق والنصر، صدق الحركة وانتصار قيمها لكنه لم ينس لحظة أن هذا التوجه إلي السماء يجب أن يقترن بثبات الخطي علي الأرض وبتحمل مسؤولية البصر والسمع والفؤاد بأمانة كاملة وبصياغة الحرية الإنسانية بما ينسجم في المدي القريب والبعيد مع قدر الله ونواميسه وسننه، ومن دون هذا التناغم بين مشيئة الله وحرية الإنسان بين نور السماء وشفافيتها، وبين كثافة الأرض ووعورة الطريق من دون هذا الحوار الدائم الفعال بين الإنسان وخالق الإنسان، بين انطلاق الروح وشد الجسد، من دون هذا التواصل الدائم بين الحضور والغياب بين عالم المشاهدة المباشرة والغيب البعيد من دون هذا وذاك، لن تكون هناك حركة جادة ولا مصير عظيم.
وفي ضوء هذا المنطلق الإيماني الراشد يمكن القول:إن الالتحام العضوي الحي بين الإرادة الإلهية العليا والإرادة البشرية السوية هو الذي ساعد علي نجاح حركة الهجرة التي قلبت موازين التاريخ البشري رأساً علي عقب حيث تولد عنها قيام الدولة الإسلامية ذات الطابع العالمي في المدينة المنورة لأول مرة في تاريخ شبه الجزيرة العربية ثم الحضارة الإسلامية بنزوعها الكوني والإنساني. كما يمكننا التأكيد علي أن الرسول صلي الله عليه وسلم قد انفتح علي جميع التيارات السائدة في عهده وذلك من خلال الاستيعاب الموضوعي لمعطيات العصر آنذاك، فضلاً عن أنه صلي الله عليه وسلم لم ينس الاستضاءة بوحي السماء المسدد لخطاه علي درب الهجرة الطويل الذي جاءه الأمر الإلهي بالقيام بها، بعد أن تكالبت عليه كل قوي البغي و العدوان، وعلي كل المسلمين في مكة.
مستشار مركز التعاون الأوروبي العربي
صحيفة الراية القطرية
محمد عبد الله السمان 30/12/1426
لا جدال في أن الهجرة النبوية ـ على صاحبها أفضل صلاة وأكمل تسليم ـ تمثل مرحلة من أهم مراحل الدولة الإسلامية وأخطرها. فهي مرحلة انتقالية لإثبات وجودها سياسياً وعقائدياً؛ فالمرحلة المكية على مسار ثلاثة عشر عاماً، كانت لإثبات العقيدة.. بل وتثبيتها في أذهان أتبعاها، من ناحية ـ ومن ناحية أخرى ـ لتعرية عقيدة الجاهلية ـ وبضدها تُعرف الأشياء ـ كما يقولون.
أضف إلى ذلك أن المرحلة المكية، كان لا بد منها، لصقل إيمان أتباعها، ليكونوا نواة المستقبل للدولة الإسلامية، وكانت توجيهات القرآن، وتوجيهات الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه- للنواة الأولى من أتباع الدعوة، تقوم على أساس الثقة في الله ـ عز وجل ـ والنصيحة في مواجهة ما يلحقهم من أذى بالغ من الضراوة والشراسة، ولعلنا نلمس ذلك من موقف لا نكاد نذكره. حيث كان رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ يمر على آل ياسر وهم يُعذّبون، فيقول لهم:"صبراً آل ياسر.. فإن موعدكم الجنة"، واستجابوا، وكانت أم عمار أول شهيدة في الإسلام. وفي صحيح البخاري عن خباب بن الأرت ـ رضي الله عنه ـ قال:"شكونا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة ـ فقلنا:"ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟."فقال:"قد كان مَن قبلكم يُؤخذ الرجل، فيحفرون له في الأرض، فيُجعل فيها.. ثم يُؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه.. والله ليُتمنّ الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"!"
إن إرادة الله ـ عز وجل ـ اقتضت أن يكون الإسلام ديناً، يصحح مسار العقول التي حادت عن الطريق السويّ، ويصحح مسار الحياة البشرية التي شملتها الفوضى، بعد أن تحوّلت إلى غابة شاسعة، يفترس القوي فيها الضعيف، وأن يكون الإسلام دولة، تقيم العدل بعد أن اختلت موازينه، وتؤازر الحق، بعد أن أصبح مضغة في أفواه الباطل، فالعالم يومئذ تحكمه إمبراطوريتان، إحداهما صليبية تنكبت مبادئ المسيحية، والأخرى وثنية تمتهن العقل، أعني إمبراطوريتي: فارس والروم، وبذلك يكون الإسلام بدولته ضرورة لإنقاذ البشرية من الوحل، وكانت الهجرة البشرية هي البداية لإقامة دولته.