* وفى مرحلة تغير الطين ، واسوداد لونه ، ونتن رائحته ، سمى [ حمأً مسنونًا ] ، لأن الحمأ هو الطين الأسود المنتن.. والمسنون هو المتغير.. بينما الذى (لم يَتَسَنَّه) هو الذى لم يتغير.. وعن هذه المرحلة عبرت الآيات: (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون * والجان خلقناه من قبل من نار السموم * وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمأ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين * قال يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين * قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون * قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ) (5) .
تلك هى مراحل خلق الإنسان الأول ، توالت فيها وتتابعت وتكاملت معانى المصطلحات: التراب.. والماء..
والطين.. والحمأ المسنون.. والصلصال.. دونما أية شبهة للتعارض أو التناقض.
* وكذلك الحال والمنهاج مع المصطلحات التى وردت بالآيات القرآنية التى تحدثت عن خلق سلالة آدم ـ عليه السلام ـ.
فكما تدرج خلق الإنسان الأول آدم من التراب إلى الطين.. إلى الحمأ المسنون.. إلى الصلصال.. حتى نفخ الله فيه من روحه.. كذلك تدرج خلق السلالة والذرية بدءاً من [ النطفة ] ـ التى هى الماء الصافى ـ ويُعَبَّرُ بها عن ماء الرجل [ المنىّ ] .. إلى [ العَلَقَة ] التى هى الدم الجامد ، الذى يكون منه الولد ، لأنه يعلق ويتعلق بجدار الرحم إلى [ المضغة ] وهى قطعة اللحم التى لم تنضج ، والمماثلة لما يمضغ بالفم..
إلى [ العظام ] .. إلى [ اللحم ] الذى يكسو العظام.. إلى [ الخلق الآخر ] الذى أصبح بقدرة الله في أحسن تقويم (6) .
ومن الآيات التى تحدثت عن توالى وتكامل هذه المراحل في خلق وتكوين نسل الإنسان الأول وسلالته ، قول الله سبحانه وتعالى: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدّكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئًا ) (7) .
وقوله سبحانه: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخر * فتبارك الله أحسن الخالقين ) (8) .
* وإذا كانت [ النطفة ] هى ماء الرجل.. فإنها عندما تختلط بماء المرأة ، توصف بأنها [ أمشاج ] ـ أى مختلطة ـ كما جاء في قوله تعالى: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا ) (9) .
* كما توصف هذه [ النطفة ] بأنها [ ماء مهين ] لقلته وضعفه.. وإلى ذلك تشير الآيات الكريمة: (الذى أحسن كل شىء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ) (10) . (ألم نخلقكم من ماء مهين * فجعلناه في قرار مكين * إلى قَدَرٍ معلوم * فقدرنا فنعم القادرون ) (11) .
* وكذلك ، وصفت [ النطفة ] ـ أى ماء الرجل ـ بأنه [ دافق ] لتدفقه واندفاعه.. كما جاء في الآية الكريمة (فلينظر الإنسان مِمَّ خلق * خلق من ماء دافق * يخرج من بين الصلب والترائب ) (12) .
هكذا عبر القرآن الكريم عن مراحل الخلق.. خلق الإنسان الأول.. وخلق سلالات وذريات هذا الإنسان..
وهكذا قامت مراحل الخلق ، ومصطلحات هذه المراحل ، شواهد على الإعجاز العلمى للقرآن الكريم.
عندما جاء العلم الحديث ليصدق على هذه المراحل ومصطلحاتها ، حتى لقد انبهر بذلك علماء عظام فاهتدوا إلى الإسلام.
فكيف يجوز ـ بعد ذلك ومعه ـ أن يتحدث إنسان عن وجود تناقضات بين هذه المصطلحات.. لقد صدق الله العظيم إذ يقول: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا ) (13) .
(1) مريم: 67.
(2) آل عمران: 59.
(3) السجدة: 7.
(4) الصافات: 11.
(5) الحجر: 26ـ35. انظر معانى المصطلحات الواردة في هذه الآيات فى: الراغب الأصفهانى أبو القاسم الحسين بن محمد [ المفردات في غريب القرآن ] طبعة دار التحرير ـ القاهرة ـ سنة 1991م و [ لسان العرب ] ـ لابن منظور ـ طبعة دار المعارف ـ القاهرة.
(6) انظر في معانى هذه المصطلحات [ المفردات في غريب القرآن ] ـ مصدر سابق ـ.
(7) الحج: 5.
(8) المؤمنون: 12ـ14.
(9) الإنسان: 2.
(10) السجدة: 7ـ8.
(11) المرسلات: 20ـ23.
(12) الطارق: 5ـ7.
(13) النساء: 82.
الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف
يوضح القرآن أن الله لا يغفر أن يشرك به (سورة النساء آية: 48) . ومع ذلك فقد غفر الله لإبراهيم ـ عليه السلام ـ بل جعله نبيّا رغم أنه عبد النجوم والشمس والقمر (الأنعام: 76ـ78) . فما الإجابة ؟ (انتهى) .
الرد على الشبهة: