وفي كثير من الأحكام تحقيق هذه المساواة: ففي الحج كلهم بلباس واحد عراة الرؤوس لا يلبسون مخيطاً، وفي الصلاة كلهم في صفوف متساوية، وفي التناصح للوضيع على الرفيع ما للرفيع على الوضيع وفي الجنايات النفس بالنفس والعين بالعين والجروح قصاص،... وهكذا في سائر الأحكام الإسلامية الناس سواسية. وقد كانت هذه المساواة في صدر الإسلام شعار المسلمين في حربهم وسلمهم، وكان الذميون والمعاهدون يستمتعون في بلادهم بنعمة هذه المساواة عملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لهم ما لنا وعليهم ما علينا"وقوله صلى الله عليه وسلم:"من آذى ذمياً فأنا خصمه يوم القيامة".
القرضاوي
المرأة أُنثى
قدّر الإسلام أُنوثة المرأة، واعتبرها ـ لهذا الوصف ـ عنصراً مكملاً للرجل، كما أنه مكمل لها، فليس أحدهما خصماً للآخر، ولا ندَّا له ولا منافساً، بل عوناً له على كمال شخصه ونوعه.
فقد اقتضت سُنَّة الله في المخلوقات، أن يكون الأزدواج من خصائصها، فنرى الذكورة والأُنوثة في عالم الإنسان والحيوان والنبات، ونرى الموجب والسالب في عالم الجمادات من الكهرباء والمغناطيس وغيرها، حتى الذًّرًّة، فيها الشحنة الكهربائية الموجبة، والشحنة السالبة (الألكترون البروتون) .
وإلى ذلك أشار منذ أربعة عشر قرناً فقال: (وَمِن كُلِّ شَئٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) .
فالذكر والأُنثى كالعلبة وغطائها، والشيء ولازمه، لا غِنَى لأحدهما عن الآخر.
ومنذ خلق الله النفس البَشرية الأُولى ـ آدم ـ خلق منها زوجها ـ حوَّاء ـ ليسكن إليها، ولم يتركه وحده، حتى ولو كانت هذه الوحدة في الجنَّة، وكان الخطاب الإلهي لهما معاً، أمراً ونهياً: (أسكنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمينَ) . (سورة البقرة / 35) .
فالمرأة ـ بهذاـ غير الرجل، لأنها تكمله ويكملها، والشيء لا يكمل نفسه، والقرآن يقول: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى) (سورة آل عمران/36) .
كما أن الموجب غير السالب، والسالب غير الموجب.
ومع هذا لم تُخلق لتكون نداً ولا خصماً، بل هي منه وله: (بعضكم من بعض) (سورة النساء/25) ، (واللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً) (سورة النحل/72) .
واقتضت حكمة الله أن يكون التكوين العضوي والنفسي للمرأة يحمل عناصر الجاذبية للرجل وقابلية الانجذاب إليه.
وركَّب الله في كل من الرجل والمرأة شَهْوة غريزية فِطرية قوية تسوقهما إلى التجاذب واللِّقاء حتى تستمر الحياة ويبقى النوع.
ومن ثَمَّ يرفض الإسلام كل نظام يصادم هذه الفِطرة ويعطلها، كنظام الرهبنة.
ولكنه حظر كل تصريف لهذه الطاقة على غير ما شرعه الله ورضيه من الزواج الذي هو أساس الأُسرة، ولهذا حرَّم الزنى، كما حرَّمته الأديان السماوية كلها، ونهى عن الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، وسدَّ كل منفذ يؤدي إلى هذه الفواحش، حماية للرجل والمرأة من عوامل الإثارة وبواعث الفتنة والإغراء.
وعلى هذا الأساس من النظر إلى فِطرة المرأة، وما يجب أن تكون عليه في علاقتها بالرجل، يعامل بالرجل، يعامل الإسلام المرأة، ويقيم كل نظمه وتوجيهاته وأحكامه.
إنه يرعى أُنوثتها الفِطرية، ويعترف بمقتضياتها فلا يكبتها ولا يصادرها، ولكنه يحول بينها وبين الطريق الذي يؤدي إلى ابتذالها، وامتهان أُنوثتها، ويحميها من ذئاب البشر، وكلاب الصيد، التي تتخطف بنات حوَّاء، لتنهشها نهشاً، وتستمتع بها لحماً، ثم ترميها عظماً.
ونستطيع أن نحدد موقف الإسلام من أُنوثة المرأة فيما يلي:
1-إنه يحافظ على أُنوثتها، حتى تظل ينبوعاً لعواطف الحنان والرِّقة والجمال، ولهذا أحلَّ لها بعض ما حُرِّم على الرجال، بما تقتضيه طبيعة الأُنثى ووظيفتها، كالتحلي بالذهب، ولُبْسِ الحرير الخالص، فقد جاء في الحديث:"إن هذين حرام على ذُكور أُمتي حِلٌ لإناثهم"2.
كما أنه حرَّم عليها كل ما يجافي هذه الأُنوثة، من التشبه بالرجال في الزي والحركة والسلوك وغيرها، فنهى أن تلبس المرأة لِبْسة الرجل، كما نهى الرجل أن يلبس لِبْسة المرأة، وجاء في الحديث:"لعن الله الرجلَ يلبس لِبْسة المرأة، والمرأة تلبس لِبْسة الرجل"3، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال، مثلما لعن المتشبهين من الرجال بالنساء4، وفي الحديث:"ثلاثة لا يدخلون الجنَّة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة_المتشبهة بالرجال_والديُّوث"5.
والديوث: الذي لا يبالي مَن دخل على أهله.
وفي الحديث الآخر:"لعن الله الرجُلة من النساء"6.