وأما في الأمور الدينية فلكل واحد أن يجتهد فيها، ويرى الرأي الذي يوصله إليه اجتهاده، ما دام في غيره موضع النص، ورأيه في حدود أصول الدين الكلية ونصوصه الصحيحة: وذلك أن الإسلام جعل القياس أحد أصوله، ومصدراً من مصادر التشريع فيه، والقياس هو إلحاق الأشباه بالأشباه، والنظائر بالنظائر، لاستنباط الأحكام التي لم ينص عليها،.. وفي هذا الإلحاق والاستنباط مجال فسيح للرأي، ومتسع عظيم للنظر، وفي جعله مصدراً تشريعياً اعتبار للرأي وتقرير لحقه.
وكذلك جاء في السنّة أن كل مجتهد مأجور: إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران. فالمئوية على الاجتهاد ـ سواء أدى إلى خطأ أو صواب ـ دليل على تقدير الإسلام للرأي، وإقراره هذا الحق.
ويؤيد هذا ما ورد في كثير من النصوص من ذم التقليد والنعي على المقلدين الذين يهملون عقولهم ولا يحررونها من أسر التقليد، وما جاء على ألسنة كثير من المجتهدين من التصريح بأنهم ما اجتهدوا ليقلدوا، وأن آرائهم لأنفسهم وخطأهم عليها.
فليس في أصول الإسلام ونصوصه ما ينافي حرية الرأي بالمعنى الذي بيّناه، بل فيها ما يؤيده ويقرره. وأما ما ورد عن ابن عباس من قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"، وما ورد عن أبي بكر من قوله:"أي سماء تظلني وأي أرض تقلّني إن قلت في كتاب الله برأيي؟".. فهو محمول على الرأي الذي يستند إلى مجرد الهوى ولا يعتمد على مصلحة عامة ولا أصل ديني كلّي.
وأما ما حدث في الإسلام من سد باب الاجتهاد وإيجاب التقليد لأئمة معينين، فإن هذا ليس من مقتضى أصول الدين أو نصوصه وإنما هو علاج لجأ إليه المتأخرون سداً لباب الفوضى، فهو من قبيل ارتكاب أخف الضررين وأهون الشرين، ولو وفق المسلمون إلى علاج تلك الفوضى ما كان في الإسلام مانع من الاجتهاد.
حرية التعليم
الإسلام نص على أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ونفى أن يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ولم ينص على أنواع معينة من العلوم وحظر ما عداها، فكل علم يوصل إلى مصلحة دنيوية أو دينية فهو مطلوب وهو حق مشاع بين أفراد الناس ذكورهم وإناثهم. وليس في أصول الإسلام ما يدل على أنه يضيق بعلم أو يقف في سبيل تعليم بل إن في حوادث التاريخ دليلاً على أن المسلمين وَسِعت صدورهم وبلادهم مختلف العلوم وطبقات العلماء الذين ما وجدوا في غير الإسلام متسعاً لعلومهم ونظرياتهم. وإن ما نقل إلى العربية من علوم الفرس على يد ابن المقفع وأضرابه، وما عرب من علوم اليونان في عهد المنصور والرشيد والمأمون، وما كانت عليه حال العلم والتعليم في معاهد بغداد وقرطبة وسمرقند، دليل على تقدير الإسلام لحرية العلم وتأييده للتعليم.
وكيف لا يتفق الإسلام وحرية التعليم، وأول أسس الإسلام أن يكون الإيمان عماده البرهان والحجة والنظر في ملكوت السماوات والأرض! وهذا النظر يحتاج إلى مختلف العلوم وتعرف كثير من النظريات!... وكيف يكلف المسلمون بقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) إذا كان في الإسلام ما يقيد حريتهم في إعداد القوة بحظر البحث في أنواع من العلوم أو الفنون التي تتطلبها حاجات الإعداد في مختلف العصور.
فالحقيقة الثابتة أن الإسلام يقرر حرية العلم، بل يجعل طلبه فريضة محكمة على كل مسلم ومسلمة، وما يرمى به المسلمون من اضطهاد أنواع من العلوم في بعض العصور، فليس سببه أمراً في طبيعة الإسلام. وفيما كتبه الأستاذ الإمام في كتابه"الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية"مقنع لمن في نفسه ريب.
المساواة
المساواة شعار من أظهر شعائر الإسلام، ونصوصه وأحكامه ناطقة بتقريرها على أكمل وجوهها: وذلك أن الإسلام لا يفرق بين واحد وآخر في الخضوع لسلطان قانونه، وليس فيه فرد فوق القانون مهما علت منزلته، وأمير المؤمنين والوالي وكل واحد من الأفراد متساوون في أحوالهم المدنية والجنائية، لا يمتاز واحد بحكم خاص ولا بطرق محاكمة خاصة بل جميعهم أمام القانون سواء.
وكذلك لا يميز الإسلام واحداً عن واحد في التمتّع بالحقوق: فلم يجعل منزلة أو ميزة حقاً لأفراد أسرة معينة، لا يستمتع بها سواه، بل ناط الأمر بالعمل له، ومهد السبيل لكل عامل، فكل مناصب الدولة من أمارة المؤمنين إلى أصغر منصب فيها حق مُشاع بين أفراد الأمة، لا يحول بينه وبينها نسب أو عصبية وينطق بهذا قوله صلى الله عليه وسلم"لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى"وقوله صلى الله عليه وسلم لبني هاشم:"يا بني هاشم. لا يجئني الناس بالأعمال وتجيئوني بالأنساب. إن أكرمكم عند الله أتقاكم".
وفي كثير من النصوص تقرير المساواة وجعلها من شعائر الإيمان، كقوله تعالى (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) وقوله صلى الله عليه وسلم"إخوانكم خدمكم"وقوله عليه السلام:"الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحمر على أسود ولا لعربي على عجمي".