فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 3657

ثالثًا: أنه لن يقضي على الإسلام بعامة، وستكون الغلبة في النهاية لأهل الحق على أهل الباطل؛ كما قال الله تعالى: فاصبر إن العاقبة للمتقين 49 {هود: 49} وهم الذين سيرثون الأرض في نهاية المطاف؛ كما قال سبحانه: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون 105 {الأنبياء: 105} ومهما عظمت المؤامرات، وكثرت الدسائس والمكائد على الإسلام والمسلمين، ومهما كانت قوة الكافرين والمنافقين فإن الله تعالى حافظ دينه بحفظ طائفة مؤمنة يقومون بالحق ويبلغونه للناس؛ كما قال النبي:"لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لايضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" (رواه البخاري 249/13 ومسلم 1921) .

فإذا كانت الجنة مآل من قضى من المسلمين في حروب شاملة، أو كوارث مفزعة، أو غيرها، وكان دين الإسلام محفوظًا إلى قيام الساعة فمم يخاف المسلمون؟!

إن فهم هذه الأصول العظيمة التي قررها ديننا هو مكمن القوة لنا، وصمام الأمان الذي يجعلنا لا نبدل ديننا مهما كان حجم التحديات والتهديدات، ولو كان ثمن ذلك خسارة دنيانا، فلأن نخسر دنيانا ويبقى لنا ديننا الذي هو ثمن فوزنا في الآخرة خير لنا من التخلي عن ديننا الذي ستكون نتيجته خسارة الدنيا والآخرة.

أسأل الله تعالى أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كيد الكائدين، ومكر الماكرين، وأن يردهم على أعقابهم خاسرين. كما أسأله تبارك وتعالى أن يوفق ولاة أمرنا إلى ما فيه صلاح ديننا ودنيانا، وأن يعينهم على ما يضطلعون به من مهمات، وما يواجهونه من تحديات، وأن يثبتهم على الحق، ويقويهم عليه، ويجعلهم قرة عين للمسلمين، إنه سميع مجيب، وبالإجابة جدير. والحمدلله أولًا وآخرًا، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

{ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين . إنهم لهم المنصورون . وإن جندنا لهم الغالبون } . .

والوعد واقع وكلمة الله قائمة . ولقد استقرت جذور العقيدة في الأرض؛ وقام بناء الإيمان ، على الرغم من جميع العوائق ، وعلى الرغم من تكذيب المكذبين ، وعلى الرغم من التنكيل بالدعاة والمتبعين . ولقد ذهبت عقائد المشركين والكفار . وذهبت سطوتهم ودولتهم؛ وبقيت العقائد التي جاء بها الرسل . تسيطر على قلوب الناس وعقولهم ، وتكيف تصوراتهم وأفهامهم . وما تزال على الرغم من كل شيء هي أظهر وأبقى ما يسيطر على البشر في أنحاء الأرض . وكل المحاولات التي بذلت لمحو العقائد الإلهية التي جاء بها الرسل ، وتغليب أية فكرة أو فلسفة أخرى قد باءت بالفشل . باءت بالفشل حتى في الأرض التي نبعت منها .

وحقت كلمة الله لعباده المرسلين . إنهم لهم المنصورون وإن جنده لهم الغالبون .

هذه بصفة عامة . وهي ظاهرة ملحوظة . في جميع بقاع الأرض . في جميع العصور .

وهي كذلك متحققة في كل دعوة لله ، يخلص فيها الجند ، ويتجرد لها الدعاة . إنها غالبة منصورة مهما وضعت في سبيلها العوائق ، وقامت في طريقها العراقيل . ومهما رصد لها الباطل من قوى الحديد والنار ، وقوى الدعاية والافتراء ، وقوى الحرب والمقاومة ، وهي إن هي إلا معارك تختلف نتائجها . ثم تنتهي إلى الوعد الذي وعده الله لرسله . والذي لا يخلف ولو قامت قوى الأرض كلها في طريقه . الوعد بالنصر والغلبة والتمكين .

هذا الوعد سنة من سنن الله الكونية . سنة ماضية كما تمضي هذه الكواكب والنجوم في دوراتها المنتظمة؛ وكما يتعاقب الليل والنهار في الأرض على مدار الزمان؛ وكما تنبثق الحياة في الأرض الميتة ينزل عليها الماء . . ولكنها مرهونة بتقدير الله ، يحققها حين يشاء . ولقد تبطئ آثارها الظاهرة بالقياس إلى أعمار البشر المحدودة . ولكنها لا تخلف أبدًا ولا تتخلف وقد تتحقق في صورة لا يدركها البشر لأنهم يطلبون المألوف من صور النصر والغلبة ، ولا يدركون تحقق السنة في صورة جديدة إلا بعد حين!

ولقد يريد البشر صورة معينة من صور النصر والغلبة لجند الله وأتباع رسله . ويريد الله صورة أخرى أكمل وأبقى . فيكون ما يريده الله . ولو تكلف الجند من المشقة وطول الأمد أكثر مما كانوا ينتظرون . . ولقد أراد المسلمون قبيل غزوة بدر أن تكون لهم عير قريش وأراد الله أن تفوتهم القافلة الرابحة الهينة؛ وأن يقابلوا النفير وأن يقاتلوا الطائفة ذات الشوكة . وكان ما أراده الله هو الخير لهم وللإسلام . وكان هو النصر الذي أراده الله لرسوله وجنده ودعوته على مدى الأيام .

ولقد يهزم جنود الله في معركة من المعارك ، وتدور عليهم الدائرة ، ويقسو عليهم الابتلاء؛ لأن الله يعدهم للنصر في معركة أكبر . ولأن الله يهيء الظروف من حولهم ليؤتي النصر يومئذ ثماره في مجال أوسع ، وفي خط أطول ، وفي أثر أدوم .

لقد سبقت كلمة الله ، ومضت إرادته بوعده ، وثبتت سنته لا تتخلف ولا تحيد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت