فهرس الكتاب

الصفحة 2967 من 3657

يعمل كل هذا في غفلةٍ عن أن الداعية مبلِّغ رشيد؛ يردم ما فسد من عوادي الزمن والأمم، ويخفف أجواء الشر والفتنة, بدل أن يحترق معها أو يحتطب لها أو يضيف إليها وقوداً جديداً في سبيل ما يظن أنها دعوة للسنة النبوية. فهذه هي السنة النبوية، وهذه سنن المرسلين لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، فهم لا يسألون الناس أجراً, بل هم هدًى للعالمين وصدق الله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} الأنعام: 90).والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

صحيفة الجزيرة السعودية

الكاتب: . باسم عبد الله عالِم

لم يكن بالمستغرب ولا بالمستهجن أن تتكالب الأمم علينا كما تتكالب الأكلة على قصعتها. واختلاق الأعذار لإيذاء المسلمين ومحاصرة الإسلام هو من أبجديات الصراع القائم حتى قيام الساعة. وأن يجد الغرب مدخلاً من صنيعته ويحيطه بإيحاءات تظهر وكأنه من أرباب العدالة أمرمتاحاً لأنه وببساطة يملك المعلومة والماكينة الإعلامية وأدوات الضغط السياسية والاقتصادية والعسكرية التي من شأنها أن تجبر الباقون على الانضمام على جوقة الشرف بقيادة الغرب على وجه العموم والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص.

وإن كنت ممن أسهم في تنفيذ الادعاءات الغربية فإنني إنما أقوم بذلك لفضح النوايا وتبيان الحقائق كي لا يغتر به المغتر أو يسير في ركابهم وهو يظن أنه يحسن صنعاً. أما الولايات المتحدة الأمريكية ومن دار في فلكها عن دراية وقناعة وإيمان، فهم جميعاً قد اختاروا لأنفسهم أن يكونوا في فسطاط همه الأكبر محاربة الله ورسوله والنيل من هذا الدين وأهله. ولا بأس في ذلك فوجود فسطاطين هو من صميم الاختبار الرباني للأمة وناموس من نواميس الكون الباقية إلى يوم القيامة ولكل أن يتحمل تبعية اختياره في الدنيا والآخرة.

وانتفاخ الباطل وصولته وظهوره و استعلاوه أمر دائم التكرار بل لعله من المتطلبات المهيئة والممهدة لكي يكون انهياره انهياراً مدوياً. فالسقوط من علٍِ أبلغ مثلاً وأمعن عقوبة من التعثر على قارعة الطريق. وعندما أقول بأن ما يحدث اليوم أمراً طبيعي إنما أجعل ذلك في إطار السنن لا في إطار القبول والخضوع له وشتان بين الأمرين.

والمؤلم أشد الإيلام هو أن نرى تخاذل وخضوع مراكز القوى المسلمة إفراطاً في حماية مصالحها وتفريطاً في حق الأمة، بينما الباطل يجتهد في إعلاء باطلة. بالرغم من تفوقه المادي. وقد راقبت ردود الفعل العربية والإسلامية على اتهامات الغرب للأمة بأنها موئل الإرهاب ومصدره فما كان من مراكز القوى إلا أن تسارعت ميممة نحو أعتاب الغرب كل يحاول أن يبرهن على براءته من هذه التهمة وأدى ذلك إلى المزيد من التدخل الغربي زاد مراكز القوى عناءً ورهقاً فلم يعد يكفي إعلان البراءة ولم يعد يكفي إعلان الولاء. لقد وجد الغرب ثغرة من خلال ضعف نفوسنا فزاد من مطالبه محاولاً الإملاء علينا ما يجب أن نقوله ومن يجب أن نتبرع له وكيف يجب أن نعلم أبناءنا ومن يجب أن نناصر ومن يجب أن نناوئ ومن يجب أن نسالم ومن يجب أن نعادي وجراء ذلك كله توقفت الإعانات والتبرعات وكل أعمال الخير في سرعة عجيبة وكأنها وافقت هوى في النفس عند البعض وظهر الضعف الذي جعلنا غثاء كغثاء السيل ومن تبقى منهم يغالب نفسه ويقدم النزر اليسير على استحياء مشترطاً تارة ومرتجياً تارة أخرى أن يظهر اسمه وأن لا يذهب المال إلى أولئك الذين لا ترضى عنهم أمريكا ولا يرضى عنهم الغرب. ويتلفت أحدنا من حوله فيجد صورة بائسة لأطلال كانت يوماً ما مصدر إشعاع للخير، فالمساجد والمدارس والجمعيات الخيرية والمؤسسات التعليمية والأئمة والدعاة وهيئات الإغاثة ودور الرعاية للعجزة أو الأرامل أو اللقطاء والمستشفيات الميدانية كلها أصبحت اليوم رسما ومبنىً دون معنى، أصبحت كمن يلفظ أنفاسه الأخيرة على فراش الموت. وما أن يستصرخنا مسلم ويهيب بنا بنداء واهٍ قائلاً (وا إسلاماه) حتى تتفاعل النفوس في لحظة من لحظات الصحوة، ولكنها في مواجهة ما حدث، لا تجد ما يحمل همها من تلك المؤسسات والهيئات بعد أن أدى تخوفها وتقاعسها فيما سبق إلى أن تموت الرواحل والمراكب عطشاً وجوعاً. وعلى النقيض من ذلك تتيه الجمعيات الغربية الإغاثية والخيرية وتتفاخر بأنها أول من أغاث المنكوبين وبأنها وصلت إلى المحتاجين من المسلمين قبل أن يصل إليهم أخوانهم من بني جنسهم ودينهم إن ذلك لعمري من السخريات التي ساهمنا في صناعتها وتحقيقها على أرض الواقع وكأننا ممثلون على مسرح ساخر هدفه التحكم والنيل من الإسلام والمسلمين درينا أم لم ندر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت