فهرس الكتاب

الصفحة 3011 من 3657

ولو استقرأنا التاريخ الإسلامي بنظرة فاحصة لوجدنا الأمر كذلك لأن الاعتداء المسبق في نظر الدين الإسلامي مرفوض لأن الله تعالى يقول في الوحي الطاهر {وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} (190) سورة البقرة، إن فهمي هذا لغزوات الرسول على أنها ظروف تضطرهم إلى ذلك سوف يحمر عيوناً ويضيّق صدوراً. لأن بعض الناس له فهم آخر حيال هذه القضية..

وأنا أقول لهم على رسلكم يا قوم إن تصوركم هذا وفهمكم خاطئ وحذلقة وتجديف في الإسلام. لأن الله تعالى يعطي الإنسان مطلق الحرية في اعتناق الأديان السماوية والنصوص كثيرة يضيق بها المكان والزمان. ولكن سوف اتي بنصوص شرعية لابد من ذكرها:

* النص الأول قوله تعالى {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} (72) سورة الأحزاب.

من هذه الآية يتبين لنا جلياً أن الله أعطى الإنسان الحرية ومطلق الاختيار.

* النص الثاني قوله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } الآية (256) سورة البقرة.

* ويقول الله تعالى حيال هذا الموضوع {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} (99) سورة يونس.

إذاً الله تعالى في هذه النصوص الكريمة المتعاضدة أعطى الإنسان حرية الاختيار وأن الإنسان يعتنق الدين عبر الاختيار لا عبر القهر. وبالمناسبة هناك نص شرعي وهو حديث شريف أقض مضجعي لسنين طويلة ومازلت، وهذا النص خرجاه البخاري ومسلم في صحيحهما وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.. الحديث.

إني هنا أرى أن هذا الحديث فيه معارضة جلية واضحة لتلك الآيات الآنفة الذكر، فهذا الحديث يعارض منطوقها ومفهومها وإني هنا أضع هذا التساؤل على طاولة الفقهاء لأني لا أحب الخوض في ذلك الموضوع أكثر من ذلك فقد يقول عني الناس صمت دهراً ونطق كفراً.. وعودة على بدءٍ إن تعاليم الدين الإسلامي تصلح أن تكون منهاج حياة زماناً ومكاناً فلن يجد البشر أحسن من هذه التعاليم متانة وسمواً ودعوني أصارحكم القول. إن علماء الدين الإسلامي اليوم لم ينفذوا إلى هذه التعاليم السامية حتى الآن على عكس ما هو موجود في صدر الإسلام الأول، حيث كان السلف الصالح يحسنون الاستنباط، فما من نازلة إلا ويجدون حكمها في الدين الإسلامي دون أن تتصبب جباههم عرقاً، ولكننا اليوم نعيش في هاجرة فكرية وهذا كله بسبب أننا نحوم حول النصوص الشرعية ولم نلج في فنائها.

إن الدين الإسلامي مؤطر ومؤصل لو طُبق كما يريده الله ورسوله لما عاش العالم الإسلامي أزمات اجتماعية واقتصادية إلخ.

وهذا الكلام لا أتوجه به إلى العالم الإسلامي فقط بل إلى العالم بأسره، فالدين الإسلامي هو الحل الناجع والوصفة الشافية من كل مرض عضال.. إن الدين الإسلامي هو أحد الديانات السماوية الثلاث المعاصرة فالديانة اليهودية كانت تتسم بطابع التشديد الذي استهوته اليهود فشددوا فشدد الله عليهم في الأوامر والنواهي، والديانة المسيحية التي تتسم بطابع التيسير المفرط فتمرد اليهود والنصارى عن ديانتهم ولم يبق من هذه الديانات إلا اسمها فأتى الله بالدين الإسلامي الذي كان يتسم بطابع الوسطية كي يعلمنا الله تعالى أن البشرية لا يصلح معها الشدة كما لا يصلح معها التيسير المفرط، وإن الذي يناسب البشرية جمعاء هو الوسطية. إذا كانت الأديان في حالة تطور وترقي حتى نضج البشر وعلموا بالتجربة ما يناسبهم. فالدين الإسلامي هو ذلك الدين الذي تصلح به الغرائز البشرية المعتدلة السوية، إلا أنه مع الأسف الشديد لم ترتق البشرية إلى مصاف هذه الديانة، لذا فإننا اليوم بحاجة إلى علماء ذوي أفكار خلاقة يسمون بالعالم إلى درجات العلا من النضج الفكري والفطنة الوثابة.

إذاً لو قدم الدين الإسلامي من قِبل أهله تقديماً يليق بجلاله لإنقاذ العالم له بسلك من حرير، فإني أرى أن هناك طوقاً من المسؤولية في عنق علماء الدين الإسلامي.

وأخيراً أراني في هذا المقال تتجاذبني الأفكار يمنة ويسرة وأكاد لا أرى معالم ما يسطره قلمي فإني أرى أن استدرار الأفكار قد تُعصى علي وأن أمواج هذا الموضوع قد هزت ريشة قلمي فأرجو من الله تعالى أن يكون ما سطرته أرضية تنطلق منها أقلام هي أطول من قلمي وأرض أرسى من أرضي.

نشرت جريدة الرياض في 30/12/1426هـ

فليسقط من (سبّ) سيد البشر

احمد خليفة - موسكو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت