فهرس الكتاب

الصفحة 429 من 3657

عشرة أيام قضاها النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجه إلا بالصدود والإعراض فلما خشي ملأ أهل الطائف من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستميل الناس إليه أغروا به سفهائهم فردوا عليه أقبح الرد، حتى قال له بعضهم أما وجد الله غيرك رسولًا فيرسله إلينا، فلما أغروا به سفهائهم فواجهوه بأقبح الرد إذا به صلى الله عليه وسلم وهو يواجه بهذا الصدود وهذا الإعراض يرجع حزينًا مكلوم الفؤاد مغموم النفس، وهو الذي خرج من مكة بعد أن جحده قوم أهل الملأ فيها وجرؤوا عليه بالأذى أملًا أن يجد في الطائف مستنبتًًا لدعوته فيصد بهذا الصدود ويقابل بهذا الجحود، فإذا به صلى الله عليه وسلم وهو الحامل لهم رسالته يغتم لذلك أشد الغم، ويحزن لذلك أشد الحزن، وتتراكب الهموم على القلب الكريم الطيب فلا يتنفس ولا ينفس عن ذلك إلا بدعوات يصدع بها السماء"اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك أو يحل بي سخطك، لك العتبة حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك".

دعاء مكروب مغموم يصدع السماء، ثم ينقلب النبي صلى الله عليه وسلم بعد عشر ليال طوال قضاها في الدعوة والمصابرة يرجع إلى مكة لكن كيف كان الرجوع، ويسير في الطريق ولكن كيف كان المسير، كيف قطع الطريق من الطائف عائدًا إلى مكة، مكة التي خرج منها وبمرأى وبمسمع من أهلها يرونه ويعلمون إلى أين سيذهب وما هي قضيته وما هو هدفه في ذهابه إلى الطائف، وسيرجع إليهم وقد سبقته إليهم أخبار أهل الطائف معه، فكيف سيدخل إلى بلد وكيف سيلقى قومه وهم الذين كانوا جرؤوا عليه فكيف سيكون حاله بعد أن يرجع إليهم، ولذلك عاد مكروبًا مغمومًا فإلى أي درجة بلغ غمه وعلى أي حال كان حزنه.

يصف ذلك فيقول"فلم أستفق إلا وأنا في قرن الثعالب"، قرن الثعالب هو السيل الكبير يبعد عن الطائف ستة وأربعين كيلو قطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيًا، ولكنه كان في حال من الاستغراق مع غمه وهمه وحزنه لأجل دعوته بحيث أنه لم يستفق ولم يشعر بما حوله إلا وهو في قرن

د. سلمان بن فهد العودة

يا رسولَ الله..

حبُّكَ في مهجتي كالدّرِ في الصدف ِ

والشذى في الروضةِ الأُنف ِ

والفراتِ العذبِ في الدِّيم ِ

ليس كالمختارِ في البشر ِ ..

فهو كلُّ السمعِ والبصرِ ..

واحدُ التاريخِ والسيرِ ..

وإمامُ الرسلِ والأُمم ِِ

لقد قرأْتُ سير المصلحين والعظماء والزعماء وأئمة المذاهب الكبار, حتى إني قد أشعر حين أقرأ عن أحدهم أني أمام جبل وعر صعب المرتقى؛ لأنهم أخذوا أنفسهم بشيء من الجدّ الذي يصيب المرء بالعجز عن إدراكه وصعوبة الاقتداء به، وربما استحالته, أمّا إمام هؤلاء جميعًا وسيّدهم قاطبة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فتشعر وأنت تقرأ سيرته بالسهولة والقابليّة للتطبيق والقرب من النفس البشريّة وطباع الناس، وهذا سرّ بديع من أسرار إعجاز الشخصيّة النبويّة.

وهو صلى الله عليه وسلم قائد الركب وسيد ولد آدم:

وَكلُّهُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ مُلْتَمِسٌ غَرْفًا مِنَ الْبَحْرِ أَوْ رَشْفًا مِنَ الدِّيَمِ

وهذا المعنى - والله أعلم- هو سر بشريّته وعظمته في آن.

وثمة شيء آخر: وهو أنه ما من إنسان إلا وفي شخصيّته جوانب غموض وخفاء والتباس من القدماء والمحدثين والعباقرة والفلاسفة وغيرهم، بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم - سيرته كتاب مفتوح مقروء، يقرؤها الأصدقاء والأعداء، والعلماء والبسطاء، وينزل عليه الوحي في أخص أموره عليه السلام؛ فيقوم ويقرؤه على الناس ويقرأ عليهم في مكة قوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) [الحاقة:44-47] ، أمام المؤمن والمشرك والوثنيّون يحاربونه ويشنون عليه حملات إعلاميّة وكلاميّة باحثين عن أيّ ثغرة ينفذون منها للطعن في مصداقيّة الدعوة والداعية، فلم يكن ذلك يثنيه عن التبليغ بكل شيء ولو كان هذا الشيء معاتبة له من الله عز وجل.

وفي المدينة: يتربّص يهودها ومنافقوها بهذا الدين الدّوائر، ويرجعون البصر كرّة وكرّتين في حقيقة الرسالة:

هل يرون من فطور؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت