ومع ذلك كان يقرأ على الناس من القرآن قوله تعالى: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) [الأحزاب:37] ، وقوله: (عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) [عبس:2] ، وكان يعلّمها أصحابه ويؤمّهم بها في الصلاة، وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكتبون كل كلمة وحرف ويدوّنون كل همسة ولمسة تصدر منه صلى الله عليه وسلم؛ فسيرته سجّل مفتوح للناس كلهم أجمعين ومدوّنة واضحة دقيقة في كل شيء يخصّه عليه أفضل الصلاة والسلام.
وبكل هذا الجلاء في سيرته دون استثناء كان أمثل خلق (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4] ؛ وأصدق لسان (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) [النجم:3] ، وأبين حجة (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) [الشعراء:195] ، وهو في كل ذلك"إنسان"له صفات الإنسان؛ ليكون أيسر في الاتّباع وأسهل في الاقتداء، ولكي يعلم الأتباع المؤمنون - ولو بعد عدّة قرون - أن مشاعر النبي -صلى الله عليه وسلم- وأحاسيسه ليست بدعًا من المشاعر، وأن ما يلحق الناس من أذى ومضايقة من المشركين وغيرهم أو فرح وسرور ينال النبي -صلى الله عليه وسلم- منه أوفر الحظ والنصيب، فغدت هذه الأيام التي يداولها الله على الناس تبيينًا لمعدن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسمُوِّ أرومته، وطريقة تعامله مع الأحداث المختلفة والظروف العادية والاستثنائية (لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء:165] .
وسيّد الرسل هو محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي كان كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فهل لهما من بديل أو عنهما من عِوض؟
ولا شك أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أكمل صورة بشريّة جاء للناس من أنفسهم فلم ينزل من السماء، ولم يكن ملكًا (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) [الأنعام:9] ، بل كان بشرًا رسولًا (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة:128] لقد كانوا يعرفونه عليه السلام ويعاملونه ويصفونه بالصادق الأمين، ولم يزل صلى الله عليه وسلم يترقّى في مدارج ومعارج الكمال حتى قُبض على أكمل ما يكون صلى الله عليه وسلم، قُبض وهو متلبّس بالعبادة والدعوة والتوجيه والإرشاد والأمر والنهي والوصيّة حتى في اللحظة التي انتقل فيها من هذه الدنيا- بأبي هو وأمي عليه السلام- عملا ً بقوله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر:99] .
وقبل ذلك كان محمد -صلى الله عليه وسلم- يرعى الغنم حتى بعثه الله فقاد الأمم، وكان يضرب في أسواق الشام إلى أن أرسله الله بشيرًا ونذيرًا إلى الناس كافة؛ شامها ويمنها وحجازها، وعربها وعجمها، وكان يتيمًا عانى مشاكل فقدان الأب ثم الأم؛ فآواه الله ورعاه، وكان ضالاًّ فهداه الله -عز وجل- بهداه، وكان عائلًا يشتكي العوز والفاقة؛ فكفاه الله -عز وجل- وأغناه: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى* وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى* وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) [الضحى:6-8] .
"مرسَلٌ"قد صاغهُ خالقُه من معاني الرسل بدْءًا وخِتاما
قد سعى والطرقُ نار ٌ ودمٌ يعبرُ السهلَ ويجتازُ الأكاما
نزل الأرضَ فأضحت جنةً وسماءً تحملُ البدرَ التّماما
وأتى الدنيا فقيرًا فأتت نحوه الدنيا وأعطته الزّماما
ورعى الأغنامَ بالعدلِ إلى أن رعى في مرتعِ الحقِّ الأناما
عربيّ مدّن الصحرا كما علّم الناسَ إلى الحشرِ النظاما
يا رسولَ الحقِّ خلّدت الهدى وتركْت الظلمَ والبغيَ حُطاما
وإذا جاءت كل أمة بعظيمها ومتبوعها، وقدّمت زعيمها أتيناهم بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ فظهر الحق، وبطل ما كانوا يعملون، ذلكم أن شخصيّته عظيمة بكل المقاييس، صالحةٌ لكل العصور والبيئات والمستويات والمجتمعات والحضارات، وبها تُحلّ مشكلات الأمم والعالم، وهو يحتسي قهوة الصباح!
فرسولنا -صلى الله عليه وسلم- نفسه معجزة في شخصيته, وأخلاقه, وهدْيه, وعبادته, وقيادته, تُضاف إلى معجزاته الأصلية المعروفة كمعجزة القرآن الكريم العظمى، ومعجزة الإسراء والمعراج، (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير) [سورة الإسراء:1] .
ومعجزة انشقاق القمر، (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) [سورة القمر:1] ، ولما كان القرآن العظيم معجزة، كان صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن - كما وصفته عائشة (رضي الله عنها) - عند مسلم وأبي داود - فخلقه معجزة؛ في صبره وكفاحه, وبلائه وتجرّده وإنسانيّته.
فله صلى الله عليه وسلم كل خصائص الإنسان؛كما أن له - أيضًا- كل صفات العظمة البشرية مجتمعة ..
صلى عليك اللهُ يا علمَ الهدى ما ناحَ طيرٌ أو ترنّم حادي