فهرس الكتاب

الصفحة 1541 من 3657

"... إن محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ طوال سنين الشباب التي تكون فيها الغريزة الجنسية أقوى ما تكون، وعلى الرغم من أنه عاش في مجتمع كمجتمع العرب، حيث كان الزواج، كمؤسسة اجتماعية، مفقودًا أو يكاد، وحيث كان تعدد الزوجات هو القاعدة، وحيث كان الطلاق سهلاً إلى أبعد الحدود، لم يتزوج إلا من امرأة واحدة ليس غير، هي خديجة [رضي الله عنها] التي كانت سنّها أعلى من سنّه بكثير، وأنه ظل طوال خمس وعشرين سنة زوجها المخلص المحب، ولم يتزوج كرة ثانية، وأكثر من مرة، إلا بعد أن توفيت خديجة، وإلا بعد أن بلغ الخمسين من عمره. لقد كان لكل زواج من زواجاته هذه سبب اجتماعي أو سياسي، ذلك بأنه قصد من خلال النسوة اللاتي تزوجهن إلى تكريم النسوة المتصفات بالتقوى، أو إلى إنشاء علاقات زوجية مع بعض العشائر والقبائل الأخرى ابتغاء طريق جديد لانتشار الإسلام وباستثناء عائشة ـ رضي الله عنها ـ، ليس غير، تزوج محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من نسوة لم يكنّ لا عذارى، ولا شابات، ولا جميلات، فهل كان ذلك شهوانية؟ لقد كان رجلاً لا إلهًا. وقد تكون الرغبة في الولد هي التي دفعته أيضًا إلى الزواج من جديد؛ لأن الأولاد الذين أنجبتهم خديجة ـ رضي الله عنها ـ له كانوا قد ماتوا. ومن غير أن تكون له موارد كثيرة أخذ على عاتقه النهوض بأعباء أسرة ضخمة، ولكنه التزم دائمًا سبيل المساواة الكاملة نحوهن جميعًا، ولم يلجأ قط إلى اصطناع حق التفاوت مع أي منهن. لقد تصرف متأسّيًا بسنة الأنبياء القدامى ـ عليهم السلام ـ، مثل موسى وغيره، الذين لا يبدو أن أحدًا من الناس يعترض على زواجهم المتعدد. فهل يكون مرد ذلك إلى أننا نجهل تفاصيل حياتهم اليومية، على حين نعرف كل شيء عن حياة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ العائلية؟" (5) .

(1) نفسه، ص33.

(2) نفسه، ص73.

(3) نفسه، ص37، 38.

(4) نفسه، ص43.

(5) نفسه، ص99، 100.

"لقد حلّ الوقت الذي توجه فيه الأنظار إلى تاريخ تلك الأمة التي كانت مجهولة الأمر في زاوية من آسية فارتقت إلى أعلى مقام فطبق اسمها آفاق الدنيا مدة سبعة قرون، ومصدر هذه المعجزة هو رجل واحد، هو محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ.." (1) .

"... لم يعد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ نفسه غير خاتم لأنبياء الله ـ عليهم السلام ـ وهو قد أعلن أن عيسى ابن مريم كان ذا موهبة في الاتيان بالمعجزات، مع أن محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يعط مثل هذه الموهبة، وما أكثر ما كان يعترض محتجًا على بعض ما يعزوه إليه أشد أتباعه حماسة من الأعمال الخارقة للعادة!" (2) .

"... إن محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ أثبت خلود الروح وهو مبدأ من أقوم مبادئ الأخلاق. ومن مفاخر محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن أظهره قويًا أكثر مما أظهره أي مشرّع آخر.." (3) .

"... ما أكثر ما عرض محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ حياته للخطر انتصارًا لدعوته في عهده الأول بمكة، وهو لم ينفك عن القتال في واقعة أحد حتى بعد أن جرح جبينه وخده وسقطت ثنيتاه، وهو قد أوجب النصر بصوته ومثاله في معركة حنين، ومن الحق أن عرف العالم كيف يحيي قوة إرادته ومتانة خلقه وبساطته، ومن يجهل أنه لم يعدل ـ إلى آخر عمره ـ عما يفرضه فقر البادية على سكانها من طراز حياة وشظف عيش؟ وهو لم ينتحل أوضاع الأمراء قط مع ما ناله من غنى وجاه عريض. وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ حليمًا معتدلاً، وكان يأتي بالفقراء إلى بيته ليقاسمهم طعامه، وكان يستقبل بلطف ورفق جميع من يودّون سؤاله، فيسحر كلماؤه بما يعلو وجهه الرزين الزاهر من البشاشة، وكان لا يضج من طول الحديث، وكان لا يتكلم إلا قليلاً فلا ينمّ ما يقول على كبرياء أو استعلاء، وكان يوحي في كل مرة باحترام القوم له. ودلّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أنه سياسي محنّك..." (4) .

"بدت في بلاد العرب أيام محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ حركة غير مألوفة من قبل، فقد خضعت لسلطان واحد قبائل العرب الغيرى على استقلالها والفخورة بحياتها الفردية، وانضم بعض هذه القبائل إلى بعض فتألفت أمة واحدة" (5) .

(1) قصة الحضارة (13/ 21، 22) .

(2) نفسه (13/ 38) .

(3) نفسه (13/ 47) .

(4) نفسه (13/ 59) .

(5) نفسه (13/ 167) .

هنري سيروي

"ومحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يغرس في نفوس الأعراب مبدأ التوحيد فقط، بل غرس فيها أيضًا المدنية والأدب" (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت