فهرس الكتاب

الصفحة 2236 من 3657

وقد قرر فقهاؤنا السابقون أن من ينشأ عن هذه العلاقة المحرمة من أولاد فإن مثلهم مثل أولاد الزنا لا يثبت لهم نسب، ولا يتقرر لهم ميراث من الزاني، فإن ماء الزنا هدر لا يثبت به نسب ولا يتقرر به ميراث لقوله صلى الله عليه وسلم: -الولد للفراش وللعاهر الحجر- فالولد ينسب لصاحب الفراش الشرعي وهو الزوج ، وحيث لايوجد مثل هذا الفراش في هذه الواقعة لبطلان عقد النكاح فلا يثبت نسب، ولا يتقرر ميراث إلا بين الولد وبين أمه، أما بينه وبين الزاني فلا توارث وذلك لسببين: لاختلاف الدين من ناحية؛ لأن الولد مسلم بالتبعية لأمه، والزاني من أهل الكتاب، وقد قررت الشريعة المطهرة عدم التوارث عند اختلاف الدين، فقد قال صلى الله عليه وسلم: -لا يتوارث أهل ملتين شتى-.

-وعلىه نرى أن حكم الشرع في هذه المسألة واضح جداً، وأنه لا يوجد دليل واحد يدل على جواز هذا الأمر، وإن كان بعض أهل الأهواء من العلمانيين وغيرهم يحاولون إثارة الشبهات، حتى يتمكنوا من تغيير بعض ثوابت الدين عند المسلمين، وذلك لتكوين ثقافة عالمية واحدة،ودور الأمم المتحدة وتدخلها في شؤون المرأة ومحاولاتها إقناع العالم بالمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة وتدخلاتها السافرة في شؤون الدول واضح لكل ذي نظر، مما يدل على أن إثارة مثل هذه المواضيع في هذه الأيام يخدم أجندة خارجية تسعى إلى طمس ثوابت الأمة وهويتها وثقافتها، وهذا مخالف لمبادئ حقوق الإنسان التي يتبجح بها الغرب وأذنابه من العلمانيين، والتي تنص على وجوب احترام الثقافات والأديان.

-وعلى المسلم أن يكون حذراً من هذه الأفكار الهدامة وينبغي أن يلتزم بكتاب الله وسنة رسوله، وعلى فهم سلف الأمة خير القرون قاطبة؛ قال تعالى: -وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله، ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا- -الأحزاب-26-.

الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف

الرد على الشبهة:

1 ـ لقد كفل الإسلام للإنسان حرية الاعتقاد. وجاء ذلك في وضوح تام في القرآن الكريم: (لا إكراه في الدين ) (1) . فلا يجوز إرغام أحد على ترك دينه واعتناق دين آخر. فحرية الإنسان في اختيار دينه هى أساس الاعتقاد. ومن هنا كان تأكيد القرآن على ذلك تأكيدًا لا يقبل التأويل في قوله: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) (2) .

2 ـ وقد أقر النبى صلى الله عليه وسلم الحرية الدينية في أول دستور للمدينة حينما اعترف لليهود بأنهم يشكلون مع المسلمين أمة واحدة.

ومن منطلق الحرية الدينية التى يضمنها الإسلام كان إعطاء الخليفة الثانى عمر بن الخطاب للمسيحيين من سكان القدس الأمان"على حياتهم وكنائسهم وصلبانهم ، لا يضار أحد منهم ولا يرغم بسبب دينه".

3 ـ لقد كفل الإسلام أيضًا حرية المناقشات الدينية على أساس موضوعى بعيد عن المهاترات أو السخرية من الآخرين. وفى ذلك يقول القرآن: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن ) (3) . وعلى أساس من هذه المبادئ السمحة ينبغى أن يكون الحوار بين المسلمين وغير المسلمين ، وقد وجه القرآن هذه الدعوة إلى الحوار إلى أهل الكتاب فقال: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله * فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) (4) . ومعنى هذا أن الحوار إذا لم يصل إلى نتيجة فلكل دينه الذى يقتنع به. وهذا ما عبرت عنه أيضًا الآية الأخيرة من سورة (الكافرون) التى ختمت بقوله تعالى للمشركين على لسان محمد صلى الله عليه وسلم: (لكم دينكم ولى دين ) (5) .

4 ـ الاقتناع هو أساس الاعتقاد: فالعقيدة الحقيقية هى التى تقوم على الإقناع واليقين ، وليس على مجرد التقليد أو الإرغام. وكل فرد حر في أن يعتقد ما يشاء وأن يتبنى لنفسه من الأفكار ما يريد ، حتى ولو كان ما يعتقده أفكارًا إلحادية. فلا يستطيع أحد أن يمنعه من ذلك طالما أنه يحتفظ بهذه الأفكار لنفسه ولا يؤذى بها أحدًا من الناس. أما إذا حاول نشر هذه الأفكار التى تتناقض مع معتقدات الناس ، وتتعارض مع قيمهم التى يدينون لها بالولاء ، فإنه بذلك يكون قد اعتدى على النظام العام للدولة بإثارة الفتنة والشكوك في نفوس الناس. وأى إنسان يعتدى على النظام العام للدولة في أى أمة من الأمم يتعرض للعقاب ، وقد يصل الأمر في ذلك إلى حد تهمة الخيانة العظمى التى تعاقب عليها معظم الدول بالقتل. فقتل المرتد في الشريعة الإسلامية ليس لأنه ارتد فقط ولكن لإثارته الفتنة والبلبلة وتعكير النظام العام في الدولة الإسلامية. أما إذا ارتد بينه وبين نفسه دون أن ينشر ذلك بين الناس ويثير الشكوك في نفوسهم فلا يستطيع أحد أن يتعرض له بسوء ، فالله وحده هو المطلع على ماتخفى الصدور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت