فهرس الكتاب

الصفحة 2455 من 3657

ولكن التمايز والتكريم في منظور الإسلام إنما هو بالتقوى والصلاح؛ كما في الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (2) .

(1) الفرقان: 5 - 6.

(2) الحجرات: 13.

أ.د محمود حمدي زقزوق

الرد على الشبهة:

وهى من أسوأ المفتريات على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي قال ربه عز وجل عنه: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (1) .

لكن الحقد حين يتمكن من قلوب الحاقدين يدفعهم إلى المنكر من القول ومن الزور؛ حتى إنهم ليتجرءون على قولٍ لا يقبله عقل عاقل، ولا يجرؤ على مثله إلا المفترون.

في هذه المقولة زعموا أنه حين كان ينزل عليه الوحي بالآيات التي أثبت العلم الحديث المعاصر أنها من أبرز آيات الإعجاز العلمي في القرآن فيما تتصل بمراحل خلق الإنسان من سلالة من طين ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلّقة وغير مخلقة ثم يكون إنشاؤه خلقًا آخر..

زعموا أن كاتب وحيه قال مادحًا مَنْ هذا خلقه: ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (2) .

ثم أفرطوا في زعمهم؛ فقالوا إن محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له: اكتبها فهكذا نزلت علىّ..

وهنا لابد من وقفة:

فأولاً: مما هو ثابت أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا نزل عليه الوحي يأخذ العرق يتصبب من جسده، ويكون في غيبة عمن حوله.. فإذا انقضى الوحي أخذ في ذكر وتلاوة ما نزل عليه من القرآن، وهذا ما تقرّره كل كتب السيرة.

ثانياً: معنى ما سبق أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يأخذ في الإملاء على كاتب وحيه إلا بعد اكتمال نزول الوحي، واكتمال نزول الآيات المتعلقة بمراحل خلق الإنسان في سورة"المؤمنون".

ثالثًا: وبهذا يتضح كذب المقولة أن كاتب وحيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو الذي أملاها عليه وأنه أمر بإثباتها.

رابعًا: إن لفظة"تبارك الله"تكررت في القرآن الكريم تسع مرات، تلتقي جميعها في مواضع يكون الحديث فيها عن قدرة الخالق فيما خلق من مثل قوله تعالى:

(أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (3) .

(تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) (4) .

(تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً) (5) .

(وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) (6) .

(تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (7) .

فلماذا تعلّم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من كاتب وحيه آية"المؤمنون"دون غيرها مما جاء في بقية السور؟!!

(1) النجم: 3 ـ 4.

(2) المؤمنون: 14.

(3) الأعراف: 55.

(4) الفرقان: 1.

(5) الفرقان: 61.

(6) الزخرف: 85.

(7) الملك: 1.

أ.د محمود حمدي زقزوق

الرد على الشبهة:

إنهم في هذه المقولة ـ يريدون أن يتهموه بأنه كان يُعظّم الحجر الأسود ـ بل ويُعظّم الكعبة كلها بالطواف حولها، وهي حجر لا يختلف ـ في زعمهم ـ عن الأحجار التي كانت تُصنع منها الأوثان في الجاهلية، وكأن الأمر سواء!!

وحقيقة الأمر أن من بعض ما استبقاه الإسلام من أحوال السابقين ما كان فيه من تعاون على خير أو أمر بمعروف ونهي عن منكر، من ذلك ثناء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على حِلف كان في الجاهلية يسمى"حِلف الفضول"، وهو عمل إنساني كريم كان يتم من خلاله التعاون على نصرة المظلوم، وفداء الأسير، وإعانة الغارمين، وحماية الغريب من ظلم أهل مكة، وهكذا..

وقد أثنى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على هذا الحلف، وقال:"لو دعيت إلى مثله لأجبت".

وأيضًا كان مما استبقاه الإسلام من فضائل السابقين مما ورثوه عن إبراهيم - عليه السلام - تعظيمهم للبيت الحرام وطوافهم به؛ بل وتقبيلهم للحجر الأسود.

وهناك بعض مرويات تقول إن هذا الحجر من أحجار الجنة.

وهنا فقط لا يكون أمامنا إلا ما ثبت من أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يُقبل الحجر الأسود عند طوافه بالبيت، وهو ما تنطق به الرواية عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال عن تقبيله لهذا الحجر: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يُقبلك ما قبلتك) .

وهنا نقول:

من المستحيل أن يكون تقبيل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ للحجر الأسود من باب المجاراة أو المشاكلة لعبدة الأصنام فيما كانوا يفعلون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت