(د) ما صح من الأنباء بمغيبات وقت كما أخبر بها صلى الله عليه وسلم، بعضها في حياته، وبعضها بعد وفاته، مثل فتح بلاد اليمن وبصرى وفارس، وقوله لعمار:"تقتلك الفئة الباغية"وقوله عن الحسن:"إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين"... إلخ. ومثل إخباره بفتح القسطنطينية وغيرها.
4-أما ما لم يصح من الخوارق والآيات، فلا نثبته ولا نقيم له وزنًا، وإن شاع ذكره بين الناس.
ونكتفي هنا بما اشتهر من أن النبي صلى الله عليه وسلم حين اختفى في الغار عند الهجرة من المدينة، جاءت حمامتان فباضتا على فم الغار كما أن شجرة نبتت ونمت فغطت مدخل الغار. فهذا ما لم يجئ به حديث صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف. أما نسج العنكبوت على الغار فقد جاءت به رواية حسنها بعض العلماء، وضعفها آخرون.
وظاهر القرآن يدل على أن الله تعالى أيد رسوله يوم الهجرة بجنود غير مرئية كما قال تعالى: {فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها} والعنكبوت والحمام جنود مرئية ولا شك والنصر بجنود غير مشاهدة ولا محسة أدل على القهر الإلهي والعجز البشري. وإنما اشتهرت هذه الخوارق بين جمهور المسلمين بسبب المدائح النبوية، للمتأخرين وبخاصة مثل"البردة"للبوصيري التي يقول فيها:
ظنوا الحمام، وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحم
وقاية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عال من الأطم
فهذا هو موقفنا من الخوارق والمعجزات النبوية المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
الفصل الثاني والعشرون:
في كرامته وبركاته وانقلاب الأعيان له فيما لمسه أو باشره
-أخبرنا أحمد بن محمد، حدثنا أبو ذر الهروي، إجازة، حدثنا القاضي أبو علي سماعاً، والقاضي أبو عبد الله بن عبد الرحمن وغيرهما، فقالوا: حدثنا أبو الوليد القاضي، حدثنا أبو ذر، حدثنا أبو إسحاق، وأبو الهيثم: قالوا: حدثنا الفربري، حدثنا البخاري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ـ أن أهل المدينة فزعوا مرةً، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً لأبي طلحة كان يقطُف، أو به قِطاف. وقال غيره: يبطأ، فلما رجع قال: وجدنا فرسك بحراً فكان بعد لا يجارى.
قلت: روى البيهقي في دلائل النبوة:
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر الأنباري حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر حدثنا حسين بن محمد حدثنا جرير بن حازم عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال: فزع الناس فركب النبي فرسًا لأبي طلحة بطيئًا ثم خرج يركض وحده فركب الناس يركضون خلفه فقال: لن تراعوا إنه لبحر... قال فو الله ما سبق بعد ذلك اليوم...
وأخرج البخاري في صحيحه:
ـ باب: السرعة والركض في الفزع.
-حدثنا الفضل بن سهل: حدثنا حسين بن محمد: حدثنا جرير بن حازم، عن محمد، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: فزع الناس، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسًا لأبي طلحة بطيئًا، ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون خلفه، فقال: (لم تراعوا، إنه لبحر) . فما سبق بعد ذلك اليوم.
ـ باب: إذا فزعوا بالليل.
-حدثنا قتيبة بن سعيد: حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، قال: وقد فزع أهل المدينة ليلة، سمعوا صوتا، قال: فتلقاهم النبي صلى الله عليه وسلم على فرس لأبي طلحة عري، وهو متلقد سيفه، فقال: (لم تراعوا لم تراعوا) . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وجدته بحرا) . يعني الفرس.
-باب: من استعار من الناس الفرس.
-حدثنا آدم: حدثنا شعبة، عن قتادة قال: سمعت أنسًا يقول:
كان فزع بالمدينة، فاستعار النبي صلى الله عليه وسلم فرسًا من أبي طلحة يقال له المندوب فركب، فلما رجع قال: (ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحرًا) .
-باب: الشجاعة في الحرب والجبن.
-حدثنا أحمد بن عبد الملك بن واقد: حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس، ولقد فزع أهل المدينة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم سبقهم على فرس، وقال: (وجدناه بحرا) .
ـ باب: اسم الفرس والحمار.
-حدثنا محمد بن بشار: حدثنا غندر: حدثنا شعبة: سمعت قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان فزع بالمدينة، فاستعار النبي صلى الله عليه وسلم فرسا لنا يقال له مندوب، فقال: (ما رأينا منفزع، وإن وجدناه لبحرا) .
ـ باب: الركوب على الدابة الصعبة والفحولة من الخيل.
وقال راشد بن سعد: كان السلف يستحبون الفحولة، لأنها أجرى وأجسر.