يقول المستشرق (موير) : (( إن سيف محمد والقرآن هما أكثر أعداء الحضارة والحرية ) ) (14) . وصدر منهم كلام لا يختلف حول القرآن والرسول والمسلمين من كل ما قالته أوروبا من سوء في العصور السابقة. وبذلك استجاب الاستشراق والفكر الأوربي العام إلى الثقافة الأوروبية التاريخية الحاقدة المكدسة حول السلام أكثر من الاستجابة إلى موضوعه المزعوم (15) .
بل جوهر الاستشراق هو التمييز الذي يستحيل اجتثاثه بين الفوقية الغربية والدونية الشرقية, بل إنه عم هذا التمييز بحيث إن السياسيين المتأخرين مثل بلفور وكرومر بعد هذه القرون الطويلة في زرع الحقد في المجتمعات الأوربية انتهوا في تعاملهم مع المسلمين والشرقيين إلى مقولة"فالشرقي لاعقلاني, فاسق طفولي مختلف", و"الأوربي عقلاني متحلٍّ بالفضائل, ناضج سوي" (16) .
لقد سار كبار المستشرقين في القرن العشرين يهودًا ونصارى على الإنشاء الاستشراقي القديم, فنولدكه وكولدزيهر وشاخت وبرنارد لويس وجِب وجرونباوهم وآخرون كثيرون كلهم وضعوا السم في الدسم, وشوهوا التراث الإسلامي, وبنوا أبحاثهم على أن القرآن ليس إلا مجموعة من الأفكار المضطربة أخذت بدون تنظيم من التوراة والإنجيل, وأن الشريعة الإسلامية اقتبسها المسلمون من القانون الروماني (17) . والوحي المحمدي تصوّر ووهم وظن وخيال وحمى صرعية وأن السيرة النبوية فيها شكوك كثيرة (18) .
إن الجهود العدائية التي قادتها الكنيسة عبر التاريخ الأوربي مازالت تؤجج المشاعر المعادية ضد الإسلام والمسلمين؛ يمثل ذلك موقف"جلادستون"عندما رفع بيده في مجلس العموم البريطاني عام"1882"فقال: مادام هذا القرآن يتلى والكعبة تزار فنحن لا مكان لنا في بلاد الإسلام"."
وموقف الجنرال غورو الفرنسي عندما دخل دمشق فقال - وهو أمام قبر صلاح الدين-: قم.. الآن انتهت الحروب الصليبية. ومواقف أخرى كثيرة صدرت فيما يسمى بعصر التسامح والحرية والعلمانية, تدل دلالة قاطعة أن زخم الكنيسة المتعصبة ضد الإسلام والمسلمين ما زالت سارية في عروق القوم. توجه سياستهم الظالمة في التعامل مع العالم الإسلامي, ولاسيما انحيازهم الكامل إلى اليهود في اغتصاب أرض فلسطين وتشريد شعبه وقتل أبنائه.
ولكن هل يعني ذلك أن الغرب برمته استسلم إلى هذا التعصب المقيت؟!
أقول: لا.. إن الفكر الإنساني الحر بدأ يتحرك ضد هذا التيار في القرن الأخير, وظهر مؤرخون ومفكرون وباحثون يدعون إلى الإنصاف في التعامل مع المسلمين, ويشيدون بدور الحضارة الإسلامية, ولكنهم ما زالوا قليلين في خضم الطوفان الكبير المرتبط بقوة الدفع التاريخي إلى رواسب الماضي. وهنا لابد من علاج. وهو بيد المسلمين؛ سواء في داخل العالم الإسلامي أو في خارجه بين الأقليات الإسلامية التي تستطيع أن تعمل الكثير إذا وقفت بجانبها قدرات العالم الإسلامي الفكرية والتخطيطية والمالية.
وأرجو أن تفي هذا المؤتمر المبارك وغيره من المؤتمرات في قابل الأيام بهذا الواجب التاريخي الكبير.
ــــــــــــــ
الهوامش:
1.الاستشراق بين الموضوعية والانفعالية ..ص 54 ط1/ 1403- 1983 الرياض.
2.المصدر السابق ص 55.
3.الفكر العربي - الاستشراق - أوربا والإسلام د. هشام جعيط ص 222
4.الاستشراق- د. عرفان عبد الحميد ص6 . م الإرشاد - بغداد 1969م.
5.المصدر السابق ص. 1
6.قصة الحضارة م 13
7.الفكر العربي- الاستشراق ص 122 المبشرون والمستشرقون وموقفهم من الإسلام للدكتور محمد البهى. وراجع أيضًا التبشير والاستعمار في البلاد العربية للدكتور مصطفى خالدي والدكتور عمر فروج.
8.الاستشراق للدكتور إدور سعيد ص (2) ط1
9.على هامش الصراع الأوربي تيسير شيخ الأرض ص 113- 114 من كتاب الفكر العربي ج1.
10.المصدر السابق 1/152
11.الاستشراق والإسلام ص 5- 6
12.الحركة الصليبية وأثرها على الاستشراق الغربي - د.علي الشامي ص 165 وما بعدها ضمن الفكر العربي ج1.
13.أوروبا والإسلام ص 222
14.الاستشراق - إدور سعيد 168
15.المصدر السابق ص 55.
16.المصدر السابق ص 71
17.راجع الشريعة الإسلامية والقانون الروماني للدكتور صوفي عبد الله.
18.المستشرقون والإسلام - مصدر سابق ص 14 وما بعدها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
د. محسن عبد الحميد
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا بيان للناس