وبجانب ذلك حرفوا القرآن الكريم في ترجمات هزيلة منحرفة, تحقق أغراضهم الشيطانية. وبذلك استطاعت الكنيسة أن تؤصل في نفوس الشعوب الأوربية كراهية الإسلام والمسلمين والنفور منه ومنهم (7) .
ولقد استمرت هذه الحملة ولم تتوقف حتى العصر الحديث, بل ازدادت ضراوة, عبر استعمالها التقنيات المعاصرة.
ومن أعماق خطط التبشير ظهر الاستشراق, بحجة البحث العلمي, بقرار من مجمع فيينا الكنسي عام (1312م) , وذلك لتأسيس عدد من كراسي الأستاذية في العربية والعبرية واليونانية والسوريانية في جامعات باريس وأكسفورد وبولونيا وأفينيون وسلامانكا (8) .
إن زرع هذه الأفكار الكاذبة عن الإسلام والمسلمين في نفوس الأوربيين جيلاً بعد جيل, كان تمهيدًا طبيعيًا للاستجابة الشاملة إلى صرخة البابا بطرس الناسك تدعو المسيحيين للتوجه إلى الشرق الإسلامي؛ لإنقاذ قبر المسيح من المسلمين الكفرة حسب تعبيره, فهيئت الجيوش ووهبت صكوك الغفران للجميع, وصاحب القسس والرهبان موجات هذا الغضب العارم, ينفخون الحقد الأسود على المسلمين في نفوس القوم. فلما وصلوا إلى أرض الإسلام, ارتكبوا أفظع المجازر في تلك الحروب التي سموها بالحروب الصليبية, في موجات متلاحقة استمرت حوالي قرنين, وهي مما أجمع عليه مؤرخو الغرب والشرق, وغدت من التاريخ المتواتر الذي لم يستطع أحد أن يشكك فيه.
يقول المؤرخ الأوربي ميشو:"ولما جاءوا معرة النعمان قتلوا جميع من كان فيها من المسلمين اللاجئين إلى الجوامع المختبئين في السراديب, وأهلكوا صبرًا ما يزيد على مائة ألف إنسان في أكثر الروايات".
وعندما جاء إلى كارثة القدس الشريف قال:"تعصب الصليبيون في القدس أنواع التعصب الأعمى الذي لم يسبق له نظير, حتى شكا منهم المنصفون من مؤرخيهم, فكانوا يكرهون العرب على إلقاء أنفسهم من أعالي البروج والبيوت, ويجعلونهم طعامًا للنار, ويخرجونهم من الأقبية وأعماق الأرض ويجرونهم في الساحات ويقتلونهم فوق جثث الآدميين. ودام الذبح في المسلمين أسبوعًا حتى قتلوا منهم على ما اتفق على روايته مؤرخو الغرب والشرق سبعين ألفًا (9) ."
وظل الغرب بعد اندحاره في بلاد الشام يتعامل مع الإسلام بحذر شديد, ولم يكن من الممكن النظر إلى المسلمين إلا باعتبارهم وحوشًا أو برابرة وأعداءً المسيح (10) .
لقد التقت في الحروب الصليبية مصالح الحكام الطغاة من النبلاء بمصالح التجار مع رجال الدين المتعصبين الحاقدين الذين خلت قلوبهم من الإنصاف والرحمة والتسامح والإنسانية, فأحدثوا هذه المآسي المروعة في بلاد الشام ومصر, ودقوا إسفين العداوة بين الشعوب المسيحية والإسلامية, ولم يكتفوا بذلك, بل خططوا لحرب جديدة منظمة على الإسلام والمسلمين تقوم على أساس فتح المراكز في الجامعات والوزارات المختصة, فأوجدوا نظام الاستشراق الذي كانت الكنيسة تسيطر عليه سيطرة كاملة. وكان الهدف الأساس, تزييف الحقائق عن الإسلام تحت مظلة البحث العلمي والموضوعي. قدمت هذه الدراسات الموجهة صورة مشوهة عن الإسلام, واستمدت موادها من كتابات المبشرين الأوائل, بحيث رسخت في العقل الأوربي شكلاً منهجيًا وإطارًا فكريًا عدّه الجميع مسلمات وحقائق على الرغم من الخلط والتحريف والنقائص التي كان يتسم بها. ولقد كانوا دائمًا يأخذون من الأمور شكلها, ولم يكونوا يدرسون أسبابها ونتائجها؛ لأن ذكر الأسباب والنتائج كان يفضحهم ويرد أكاذيبهم (11) .
ولم ينج من ضغط الحقد التاريخي الصليبي الطويل, حتى الفلاسفة والأدباء والمفكرون, فأديب مشهور على سبيل المثال"دانتي الإيطالي"في كتابه الكوميديا الإلهية عندما قسم الجحيم إلى طبقات، وضع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في طبقه الشر المحيطة بإبليس، ومصير هذه الطبقة يكون العقاب السرمدي (12) .
وإذا علمنا أن (( الكوميديا الإلهية ) )لدانتي طبع عشرات المرات وبلغات مختلفة في أنحاء أوربا والغرب عامة، عبر قرون عدة عرفنا مدى تأثيره على الأجيال.
ويأتي بعده بقرنين الشاعر الإنكليزي (( جون بوجيت ) )فيؤلف قصيدة بعنوان (( محمد النبي المزيف ) ), وكيف أن الخنازير أكلته وهو سكران. وفصّل في أبيات كثيرة كل الصفات التي أطلقها العقل الأوربي الديني الكنسي عبر القرون (13) .
وبهذا تحولت آثار الحقد الأوربي قبل الحروب الصليبية وبعدها إلى ظاهره تاريخية دينية وفكرية، وثقافة اجتماعية، من الصعب جدًا اختراقها والخلاص منها. حتى أن أوربا بعد أن خرجت من التربية الدينية إلى التربية العلمانية، لم يتخلص كبار فلاسفتها ومفكريها من الرواسب العميقة بعداوة الإسلام؛ فلقد اتهم مونتسكيو وفوليتر وفولني وغيرهم من مفكري عصر التنوير الإسلام بأشنع أنواع التهم وهاجموا الرسول والقرآن، كأنهم رجال الكنيسة في العصور الوسطى، وسرت هذه العداوة إلى المبشرين والمستشرقين والسياسيين في العصور الحديثة.