قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة. رواه البيهقي في الكبرى.
وبلغ من شدّة تمسُّك سلف الأمة بسُنّةِ نبيِّها مبلغًا استفاضت معه أقوالُهم.
واتّفقت كلمة العلماء أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة المتبوعة على ردِّ قولِهم إذا خالف الحديث.
قال الإمام أبو حنيفة: إذا صحّ الحديث فهو مذهبي.
وقال أيضًا: لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه.
وقال أيضًا: إذا قلت قولًا يُخالف كتاب الله تعالى وخبرِ الرسول صلى الله عليه وسلم فاتركوا قولي.
وقال الإمام مالك: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكلّ ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.
وقال أيضًا: ليس أحدٌ بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما الإمام الشافعي فقال: أجمع المسلمون على أن من استبان له سُنةٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحِلّ له أن يدعها لقول أحد.
وقال أيضًا: إذا وجدتم في كتابي خلاف سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت.
وقال الإمام أحمد: من ردّ حديثَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلَكَة.
وقال أيضًا: لا تقلد في دينك أحدًا من هؤلاء، ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابهِ فخُذ به.
قال الحميدي: روى الشافعي يومًا حديثًا، فقلت: أتأخذ به؟
فقال: رأيتني خرجت من كنيسة، أو عليَّ زُنّار حتى إذا سمعتُ عن رسول صلى الله عليه وسلم حديثًا لا أقول به؟!
وهذا كله يدلّ على تعظيمهم لأقوال نبيِّهم صلى الله عليه وسلم، ويدلّ على تأدّبهم مع إمامهم عليه الصلاة والسلام، وعلى شدّة محبته صلى الله عليه وسلم.
إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم لا تنبت إلا على ساق المتابعة والاقتداء
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى:
(قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادّعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: مَنْ عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. ولهذا قال: (إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ)
أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تُحِبّ إنما الشأن أن تُحَبّ. وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) ا هـ.
وقال الإمام الطحاوي:
ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام.
قال ابن أبي العز: أي لا يثبت إسلام من لم يسلم لنصوص الوحيين وينقاد إليها ولا يعترض عليها ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه. روى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري رحمه الله أنه قال: من الله الرسالة، ومن الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. وهذا كلام جامع نافع. ا هـ.
فمن أحبّ سيد ولد آدم فليُعظّم أقواله وسُننه أكثر من تعظيمه لقول مَن سواه من البشر.
أما دعوى محبته مع مُخالفته أو مع تقديم قول غيره على قوله فهذه دعاوى و"لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه"كما في الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام.
وليدع: ( ما اقتنعت - ما يُعقل - ما يدخل مزاجي! ) ليدع هذه الكلمات وأمثالها عند الكوكب، كما قال ابن عمر رضي الله عنهما لمن سأله عن استلام الحجر، فقال ابن عمر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويُقبِّله. فقال: أرأيت إن زُحمت؟ أرأيت إن غُلبت؟
فقال ابن عمر: اجعل أرأيت باليمن! رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويُقبِّله. رواه البخاري.
وقال لمن سأله عن قيام الليل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة. فقال السائل: أرأيت إن غلبتني عيني؟ أرأيت إن نمت؟ قال: اجعل أرأيت عند ذلك النجم. رواه ابن ماجه.
هكذا فلتُعظّم السنة، وليُربّى عليها الأولاد والأتباع
د: أبو صهيب الرهواني
على إثر الاعتداء على رسولنا العظيم ثارت مشاعر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها تعبر عن سخطها ورفضها لهذا السلوك العدواني الظالم وهي ثورة ناتجة في أساسها عن حب المسلمين لنبيهم الكريم وهو شيء محمود إلا أن هذا الحب عند تمحيصه والتأمل في حقيقته يتبين أنه لا يرقى إلى المستوى المطلوب وهو ما سنحاول بيانه من خلال هذه الصفحات التالية:
أولًا: وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم: