فهرس الكتاب

الصفحة 2045 من 3657

فيها اثنتان وأربعون حلوبة سُوداً كخافية الغراب الأسحم فقد وصف الشاعر"حلوبة"وهى مفرد ، بقوله"سُوداً"وهو جمع سوداء.

ولهذه.. الشواهد نظائر من المأثور عن العرب الخلَّص.

والخلاصة:

فقد طاحت هذه الشبهة ، وانمحت آثارها ، كما طاحت نظائرها من قبل. ومن الدلائل القوية على صحة تأنيث العدد ، فوق ما تقدم ، أن بعض النحاة أضاف إلى بدلية"أمما"من"أسباطا"أن"أمما"وقعت نعتاً ل"أسباطا"و"أمماً"مؤنثة لفظاً. وسواء كانت"أمماً"بدلاً من"أسباطاً"أو كانت نعتاً له. فإن الذى لا نزاع فيه أن المؤنث لا يبدل من المذكر ، ولا يقع نعتاً له. وهذا دليل قاطع على أن المراد من"أسباطاً"وإن كان مذكَّراً في اللفظ ، معنى مؤنث لا محالة. ولذلك أنث النظم القرآنى جزئى العدد المركب"اثنتى عشرة".

أما جمع المعدود"أسباطاً أمماً"وإن وجهه النحاة توجيهاً صائباً ، فقد بقى في مجيئه جمعاً ملمح بلاغى دقيق ذلك الملمح نوضحه في الآتى:

بدأت الآية الكريمة بهذا الفعل"قطَّعناهم"بتشديد"الطاء"على وزن"فَعَّل"وهذا التشديد يفيد التكثير ، أى كثرة التقطيع والتفريق. وهذا يناسبه بلاغة جمع"أسباطاً أمماً"لا إفرادهما ، والمعانى البلاغية من هذا النوع تزال من أجلها كل الموانع والسدود. ولغة القرآن وبلاغته أوسع من قواعد اللغة وفنونها البلاغية.

(1) راف: 160.

(2) انظر: الدر المصون (5/485) .

(3) ومما رجح التأنيث في الآية إبدال"أمما"من"أسباطا"مما يؤكد أن الأسباط معناها هنا مؤنث بمعنى قبائل أو جماعات.

الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف

منشأ هذه الشبهة:

هو قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم ) (1) .

يقولون:

كان يجب أن يثنى الضمير العائد على المثنى ، فيقول:"خصمان اختصما في ربهما"!.

الرد على الشبهة:

أشرنا من قبل إلى طريقتين من طرق التعبير اللغوى الفصيح ، وهما:

-طريقة مراعاة اللفظ.

-وطريقة مراعاة المعنى فحيث جمع القرآن الضمير العائد على المثنى ، فهو من استعمالات الطريقة الثانية ، التى يراعى فيها جانب المعنى على جانب اللفظ.

وينبغى أن نعرف أن المثنى نوعان:

-مثنى حقيقى ، ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى: (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ) (2) .

ف"رجلان"مثنى حقيقى ؛ لأن واحده فرد في الوجود ؛ أو ذات واحدة ؛ هذا هو المثنى الحقيقى. وإذا وُصِفَ أو استؤنف الحديث عنه وجب تثنية الضمير العائد عليه.

* أما النوع الثانى من المثنى ، فهو المثنى اللفظى ومثاله من القرآن قوله تعالى: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع ) (3) .

وهذا النوع من المثنى ضابطه أن واحده جمع فرد من عدة أفراد ، وليس فرداً واحداً.

والنوع الأول (المثنى الحقيقى) يسمى مثنى لفظاً ومعنى.

أما الثانى (المثنى غير الحقيقى) فيسمى مثنى في اللفظ ، وجمعاً في المعنى. وفى وصفه أو استئناف الحديث عنه يجوز أن يراعى فيه جانب اللفظ ، أو جانب المعنى.

ومنه ما ورد في آية"الحج":"هذان خصمان"لما كان معناه جمعاً روعى فيه جانب المعنى فقال عز وجل:"اختصموا في ربهم"ومعروف أن مفرد الخصمين خصم ، وهو اسم جنس يندرج تحته - هنا - أفراد كثيرون وبهذا نزل القرآن في هذه الآية ، فتحدث عن الخصمين بضمير"الجمع"الذى هو"واو الجماعة""اختصموا"ثم بضمير الجماعة"هم"فى قوله تعالى:"فى ربهم".

ونظيره في القرآن قوله تعالى:

(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) (4) . أعاد الضمير جمعاً"اقتتلوا"هذا في جملة الخبر ، مع أن المبتدأ مثنى"طائفتان"وذلك لأن هذا اللفظ مثنى غير حقيقى ، بل هو مثنى في اللفظ ، جمع في المعنى.

وفى هذه الآية راعى النظم القرآنى المعجز المعنى في جملة الخبر وحدها"اقتتلوا"ثم راعى اللفظ في بقية الآية هكذا:

(فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما (.

وكلا المنهجين فصيح صحيح بليغ.

والذى سوَّغ مراعاة المعنى فى"اقتتلوا"وقوعه بعد جمعٍ ، هو"المؤمنين"، وليس فوق ذلك درجة من الصحة والإصابة ، وإن كره الحاقدون.

والخلاصة:

أن"اختصموا"و"فى ربهم"الذوق السليم يشهد أن"اختصموا"أبلغ من اختصما ، وأن"ربهم"أبلغ من ربهما.

لأن"اختصموا"يفيد تبادل الخصومة بين جميع أفراد ال"خصمان"من أول وهلة ، وكذلك " ربهم ؛ إن ضمير الجمع فيه"هم"يفيد من أول وهلة ربوبية الله لكل فرد منهم."

والاختصام هو الحدث الرئيسى في هذه الواقعة. فعُبِّر عنه بهذا اللفظ الفخم"اختصموا"ومحال أن يستقيم لو قيل بعده"فى ربهما"فسبحان من هذا كلامه ، الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت