وقد أخبر الله وخبره الحقّ، وقال وقوله الصِّدْق {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} .
وإن تلك الحملات الشعواء على الإسلام وأهله.. لم تُغيِّر قناعات الشعوب..
يقول مُحدِّثي: سَافَرْتُ إلى بلد أفريقي في رِحلة عمل.. فاقتضى الأمر أن أتعامل مع (أفريقي نصراني) .. فلما انتهى تعاملنا معه.. سألناه عن أفضل مدينة سياحية في بلدهم.. فأرشدنا إليها.. فسألناه عن طبيعتها وأمْنِها.. فأخبرنا أن غالبية سُكانِها من المسلِمين..
يقول صاحبي:
فسألته: كيف تكون الأكثر أمْناً وغالبية سُكانها من المسلمين ؟.. مع ما نسمع في وسائل الإعلام عن المسلمين ؟!
فقال النصراني: هذه جعجعة إعلامية!
نحن نعرف المسلمين.. فَدِينُهم يأمرهم بذلك!
يقول: فتعجّبت من شهادة النصراني وهو في بلده..
إن ما يُقال أو يُثار ضد الإسلام أو ضدّ نبيِّه صلى الله عليه وسلم يسوء كل مسلم..
إلا أنّ هذا الشرّ لا يَخلو من خير..
هُم يُريدون أمراً.. والله يُريد أمراً.. {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}
دبّروا.. ومكروا.. وقلّبوا الأمور.. فأبْطَل الله سعيهم.. ووردّ كيدهم في نحورهم.. وحاق بهم مكرهم..
وهذه سُنَّة الله في نصر أوليائه، وخُذلان أعدائه..
لقد سَعى المنافقون بكل حيلة.. فَصَرّفوا الأمور، وأرادوها ظهرا لبطن، وبَطْناً لِظَهْر وطلبوا بكل حيلة إفساد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم..
فَنَصَرَ الله نبيّه.. وأظْهَر دينه..
قال تعالى: {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ}
{وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ} أي دَبَّرُوها من كل وجه، فأبْطَل الله سعيهم. كما قال ابن جُزيّ.
قال ابن كثير: يقول تعالى مُحَرِّضاً لِنبيه عليه السلام على المنافقين {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ} ، أي لقد أعْمَلُوا فكرهم، وأجالوا آراءهم في كيدك وكيد أصحابك، وخُذلان دِينك وإخماده مدة طويلة ؛ وذلك أول مَقْدَم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة رَمَتْه العرب عن قوس واحدة، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر، وأعلى كلمته، قال عبد الله بن أبي وأصحابه: هذا أمْرٌ قد تَوَجَّه ! فَدَخَلُوا في الإسلام ظاهرا، ثم كلما أعَزّ الله الإسلام وأهله غاظهم ذلك وساءهم، ولهذا قال تعالى: {حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ} . اهـ.
وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم على نُصْرَة هذا الدِّين..
فقال عليه الصلاة والسلام: ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَرٍ ولا وَبَر إلا أدخله الله هذا الدين، بِعِزّ عزيز، أو بِذُلّ ذليل، عِزًّا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر. رواه الإمام أحمد.
والله ليكونن هذا وإن رَغِمَتْ أنوف !
والله ليُتمَّنّ الله نوره ولو كَرِه الكافرون..
مِن دعاء عمر رضي الله عنه في القنوت:
اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يُكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا تردّه عن القوم المجرمين. رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق والبيهقي.
عزيز بن محمد الشهري
لقد مُيِّز الإنسان عن المخلوقات الحيوانية بالعقل الذي به يستطيع أن يضبط نفسه؛ فلا يجعلها تتجاوز حقوق الآخرين، والتعدي عليهم في ممتلكاتهم، وفي أنفسهم، وفيما يعتقدونه من معتقدات دينية على سبيل السخرية، بدون سبب يبيحه عقل ذلك الإنسان.
وبما أن الله خلق الإنسان وأكرمه بالعقل على الحيوان؛ فلقد أمر الله سبحانه وتعالى الإنسان العاقل بعدم الإفساد في الأرض، ومنع دواعيه بأي شكل من الأشكال.
وهذا الأمر للإنسان العاقل؛ حيث إن غير العاقل غير مكلف بهذا الأمر، مثله مثل بقية المخلوقات الحيوانية غير المكلفة؛ فقد تتجاوز حدودها إلى حدود غيرها في الحقوق والتعدي عليهم في ممتلكاتهم وإفساد كل جميل، بحجة الحرية الفكرية التي في الأصل بمعنى (لا عقل) إذا خلت من ضوابط العقل السليم.
فالبقرة، على سبيل المثال بما أنكم بلد تشتهر الأبقار فيه، إذا أعطيت حقوقها بضوابط ورعاية صحية جيدة؛ فإنها تنتج الزبد والجبن والقشطة اللذيذة والحليب والألبان المنعشة، أما إذا جعلتموها بحريتها، تفعل ما تشاء بدون ضوابط في أكلها من أعلاف مضرة أو غريبة عليها، فقد تفكر بحريتها؛ فتصاب بجنون البقر.