فهرس الكتاب

الصفحة 3245 من 3657

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) (المائدة: 15 )

الكاتب: حسن بن عبدالحميد بخاري

* شغلت المقاطعة مساحة واسعة جداً من خارطة العالم الإسلامي؛ تعبيراً عن الشعور الغاضب الذي عمّ الأمة تجاه دولة الدانمارك التي أساءت برسومها الساخرة إلى نبي الأمة (صلى الله عليه وسلم) ، وقياماً بإحدى الخطوات الواجبة على الأمة نصرةً لنبيها (صلى الله عليه وسلم) بعد تلك الإساءة !

والراصد لقضية المقاطعة الإسلامية لمنتجات الدانمارك يقف على نتيجتين"قويتين":

إحداهما- قوة التفاعل الإيجابي مع قرار المقاطعة والالتزام الجاد به من قِبَل الشعوب المسلمة في كل بلاد الإسلام.

والأخرى- قوة أثر تلك المقاطعة -مع أنها لاتزال في بداياتها- على حسابات دولة الدانمارك: السياسية والاقتصادية... وأخرى غيرها!

* وبما أن قرار المقاطعة الاقتصادية الذي اتخذته الشعوب المسلمة ذو إطار شرعي (حيث يمثل الدور الواجب على الأمة في نصرة النبي(صلى الله عليه وسلم) )؛ وجب أن يأخذ حظه الكافي من التأصيل الشرعي للمسألة، لئلا تستأثر العاطفة وحدها -مهما كانت صادقة- على القضية، فتتجاوز بها بعض الحدود والضوابط الشرعية.. إفراطاً أو تفريطاً !

ومن هنا فقد كانت هذه الأسطر محاولة - على عجل- لتقريب شيء من فقه المقاطعة الاقتصادية، يتناول عرض الأدلة ووجه الدلالة، وفي طياته إيضاح لبعض المشكلات، ودفع لبعض الشبهات، أرجو أن يتضح به المسلك الشرعي للمسألة، ووراء ذلك من البحث للمستزيد مزيد .

وقد جاء بحث مسائل الموضوع تحت العناوين التالية:

مشروعية المقاطعة.

هل المقاطعة واجبة أو مستحبة؟

لماذا المقاطعة؟

إلى متى المقاطعة؟

1-مشروعية المقاطعة:

ثبت في عدد من الأدلة الشرعية مشروعية المقاطعة التجارية للعدو، وأنها وسيلة مشروعة تُسلك لإرغام العدو والتضييق عليه، أو الانتقام منه وأخذ الثأر، وتلك الأدلة منها ما هو عام الدلالة تندرج تحته المقاطعة، ومنها ما هو خاص بها، ومن ذلكم:

( أ ) كل آيات الجهاد في كتاب الله المتضمنة لجهادي المال والنفس، نحو قوله تعالى:]انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله [، ] ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم`تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم[ .

والمقاطعة التجارية داخلة في جهاد العدو بالمال؛ لأن الجهاد بالمال كما يكون ببذله لإضعاف العدو، يكون بإمساكه عنه لإرهاقه كذلك!

وليُلحظ تقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في كل الآيات، إلا موضع سورة التوبة:]إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة[، وهذا التقديم للجهاد بالمال على النفس له دلالة ولابد، ولعل منها: اقتدار كل المكلفين على الجهاد بالمال (بذلاً وإمساكاً) بلا استثناء، بخلاف الجهاد بالنفس الذي قد يعجز عنه بعض المكلفين أو يُحال بينهم وبينه. ومنها: كون الجهاد بالمال دعامة للجهاد بالنفس وليس العكس، وكونه أسبق منه إعداداً وتنفيذاً في ميادين الجهاد، فناسب ذلك سبقه عليه في الذكر الحكيم، والعلم عند أحكم الحاكمين!

( ب ) قوله تعالى - في أوجه العمل الصالح الذي يُكتب لصاحبه لوناً من ألوان الجهاد-:]ماكان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولايرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لايصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئاًُ يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كُتب لهم به عمل صالح].

والمقاطعة الاقتصادية للعدو نيل عظيم منه ولا شك، لمّا تبور تجارته بديار المسلمين ويحل بها الكساد.

( ج ) قوله (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الصحيح الذي أخرجه أبوداود والنسائي:"جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم"، وقد تقدم أن الجهاد بالمال كما يكون بإنفاقه في الغزو وتجهيز الغزاة، فإنه يكون بإمساكه عن الوصول للعدو لئلا يتقوى به على قتال المسلمين وعدائهم.

ولئلا يُقال: إن هذا تكلف في فهم الدليل وإقحام ما لا يحتمله من المعاني فيه، فهاهنا دليلان من وقائع السيرة، أحدهما فعل والآخر إقرار منه (صلى الله عليه وسلم) ، وكلاهما دال على المشروعية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت