فليس صحيحاً أن السخرية والطعن في نبي الإسلام ورموز المسلمين يعد من قبيل ممارسة حرية التعبير، لأن الذي تعلمناه في دراسة القانون أنه لا توجد حرية مطلقة إلا فيما يخص حرية الاعتقاد والتفكير، أما التعبير فهو سلوك اجتماعي يرد عليه التنظيم في أي مجتمع متحضر، وعند فقهاء القانون في النظام الأنجليسكسوني وفي النظم اللاتينية، فضلاً عن الشريعة الإسلامية، فإن حرية التعبير يسبغ عليها القانون حمايته طالما ظلت تخدم أية قضية اجتماعية، ولا تشكل عدواناً على الآخرين، وللمحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة أحكام متواترة بهذا المعنى، والعبارة المتكررة في تلك الأحكام تنص على أن حماية حرية التعبير تظل مكفولة طالما تضمنت حداً أدنى من المردود الاجتماعي النافع، ونصها بالإنجليزية كما يلي:
إن كل القوانين تجرم سب الأشخاص والقذف في حقهم، حيث لا يمكن أن يعد ذلك نوعاً من حرية التعبير، لأن السب في هذه الحالة يعد عدواناً على شخص آخر، ومن ثم فأولى بالتجريم سب نبي الإسلام الذي يؤمن بنبوته ورسالته ربع سكان الكرة الأرضية، وحين حدثت في الأمر الدكتور أحمد كمال أبو المجد وهو خبير قانوني دولي، أيد ما ذكرت وأضاف أنه حتى إذا سلمنا بأنه لا توجد نصوص في التشريعات الدنماركية تعاقب على سلوك الصحيفة المشين، فإن هناك التزاماً أخلاقياً وسياسياً يفرض على المسئولين في الدولة إدانة ذلك المسلك، انطلاقاً من الحرص على حماية المعتقدات الدينية ودفاعاً عن فكرة التعددية الثقافية.
إضافة الدكتور أبو المجد بأن عدم اتخاذ موقف صريح وحازم من جانب حكومة الدنمارك إزاء الطعن في نبي الإسلام يفتح الباب لشرور كثيرة، من بينها فتح الأبواب واسعة لإشعال حروب ثقافية لا مصلحة لأحد فيها، الأمر الذي يهيئ المناخ لإحلال القطيعة بين الشعوب والثقافات محل التواصل، والصراع محل التعاون، وليس معقولاً أن يكون ذلك ما تسعى إليه حكومة الدنمارك.
إن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: لماذا لا تعلن حكومات الدول الإسلامية استهجانها واستنكارها لموقف حكومة الدنمارك بشكل صريح وحازم، أسوة بموقف منظمة المؤتمر الإسلامي التي دعت إلى مقاطعة المؤتمر الدنماركي عن الشرق الأوسط، ذلك أن مثل ذلك الطعن الجارح إذا وجه إلى أي رئيس دولة في منطقتنا لقامت الدنيا ولم تقعد، ولسحب السفير وتهددت العلاقات الدبلوماسية فضلاً عن المصالح الاقتصادية للقطيعة، فهل نستكثر على نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام أن نغضب لشخصه ولكرامته بما هو دون ذلك بكثير؟ وألا يخشى إذا استمر الصمت الرسمي في العالمين العربي والإسلامي، أن يخرج علينا من يطرح العنف بديلاً عن المعالجة الدبلوماسية الرصينة، فيفتي مثلا بإهدار دماء محرر الصحيفة الدنماركية ورساميها، وتكون هذه شرارة فتنة جديدة لا يعلم إلا الله مداها؟
أخيراً فإن الواقعة تجدد سؤالاً آخر طالما طرحناه حينما كان يفتح باب الحديث عن عداء المسلمين المزعوم للغرب، هو: من حقاً يكره من؟
الشيخ محمد حسين يعقوب
قال الله عز وجل وعلا سبحانه
( َولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (40) الحج
عذرًا ومعذرة يا رسول الله
اللهم إننا نبرأ إليك مما فعل أولئك الكفار...
ونعتذر إليك من تقصيرنا وتقصير أهل ملتنا في نصرة نبيك صلى الله عليه وسلم
اللهم اغفر لنا وارحمنا و لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا أنت ولينا.. وأنت خير الراحمين
لماذا يشتمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!
إنه السؤال الذي لابد أن نجيب عنه بوضوح وصراحة وتجرد لكي نعرف كيف نرد على هذه الشتائم.. وما هو رد الفعل المطلوب..
إن السبب الحقيقي الواقعي لفعل هؤلاء الكفار إنهم لا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وبذلك ترجع المسألة إلى تقصيرنا في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم..
إنهم لا يعرفونه..
إننا لم نستطع أن نوصل دعوتنا إليهم..
إننا لم نحدثهم عن ديننا وعن نبينا صلى الله عليه وسلم..
إنهم سمعوا عنا ولم يسمعوا منا..
ولذلك تجرءوا وأساءوا بل وكفروا..
ولو عرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لآمنوا به أو على الأقل عظموه ووقروه وأحبوه كما فعل من عرفه منهم.
ولعل السبب الآخر أنهم أيضا لا يعرفون قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفوس المسلمين، ولم يتوقعوا أن يحدث رد فعل كهذا من كل المسلمين بلا استثناء، لأنهم يرون تنكر العلمانيين من المسلمين والمستغربين منهم للدين جملة، فظنوا أن هذا هو الموقف من رسول الله صلى الله عليه وسلم.