ومنها جمعه فيه بين الدليل ومدلوله، وذلك أنه احتج بنظم القرآن، وحسن رصفه وإيجازه وبلاغته، وأثناء هذه البلاغة أمره ونهيه، ووعده ووعيده، فالتالي له يفهم موضع الحجة والتكليف معاً من كلام واحد وسورة منفردة.
-ومنها أن جعله في حيز المنظوم الذي لم يعهد، ولم يكن في حيز المنثور، لأن المنظوم أسهل على النفوس، وأوعى للقلوب، وأسمع في الآذان، وأحلى على الأفهام، فالناس إليه أميل، والأهواء إليه أسرع.
-ومنها تيسيره تعالى حفظه لمتعلميه، وتقريبه على متحفظيه، قال الله تعالى: ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) (القمر: 17...) وسائر الأمم لا يحفظ كتبها الواحد منهم، فكيف الجماء على مرور السنين عليهم. والقرآن ميسر حفظه للغلمان في أقرب مدة.
-ومنها مشاكلة بعض أجزائه بعضاً، وحسن ائتلاف أنواعها، والتئام أقسامها، وحسن التخلص من قصة إلى أخرى، والخروج من باب إلى غيره على اختلاف معانيه، وانقسام السورة الواحدة إلى أمر ونهي، وخبر واستخبار، ووعد ووعيد، وإثبات نبوة، وتوحيد وتفريد، وترغيب وترهيب، إلى غير ذلك من فوائده، دون خلل يتخلل فصوله.
والكلام الفصيح إذا اعتوره مثل هذا ضعفت قوته، ولانت جزالته، وقل رونقه، وتقلقت ألفاظه.
فتأمل أول سورة (ص) - ( ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ(1) ، وما جمع فيها من أخبار الكفار وشقاقهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم، وما ذكر من تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتعجبهم مما أتى به، والخبر عن اجتماع ملئهم على الكفر وما ظهر من الحسد في كلامهم، و تعجيزهم و توهينهم، ووعيدهم بخزي الدنيا والآخرة، وتكذيب الأمم قبلهم، وإهلاك الله لهم، ووعيد هؤلاء مثل مصابهم، و تصبير النبي على أذاهم وتسليته بكل ما تقدم ذكره، ثم أخذ في ذكر داود و قصص الأنبياء، كل هذا في أوجز كلام وأحسن نظام.
-ومنه الجملة الكثيرة التي انطوت عليها الكلمات القليلة، وهذا كله وكثير مما ذكرنا أنه ذكر في إعجاز القرآن، إلى وجوه كثيرة ذكرها الأئمة لم نذكرها، إذ أكثرها داخل في باب بلاغته، فلا يجب أن يعد فناً منفرداً في إعجازه، إلا في باب تفضيل فنون البلاغة، وكذلك كثير مما قدمنا ذكره عنهم يعد في خواصه وفضائله، لا إعجازه.
وحقيقة الإعجاز الوجوه الأربعة التي ذكرنا، فليعتمد عليها، وما بعدها من خواص القرآن وعجائبه التي لا تنقضي. والله ولي التوفيق.
الفصل الحادي عشر:
في انشقاق القمر وحبس الشمس
قال الله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ(1) وَأن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (2) - القمر.
-أخبر تعالى بوقوع انشقاقه بلفظ الماضي، وإعراض الكفرة عن آياته، وأجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه.
-أخبرنا الحسين بن محمد الحافظ من كتابه، حدثنا القاضي سراج بن عبد الله، حدثنا الأصيلي، حدثنا المروزي، حدثنا الفربري، حدثنا البخاري، حدثنا مسدد، حدثنا يحي، عن شعبة، و سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين: فرقة فوق الجبل، و فرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اشهدوا"
-وفي رواية مجاهد: ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم
-وفي بعض طرق الأعمش: ونحن بمنى.
-ورواه أيضاً ـ عن ابن مسعود ـ الأسود، وقال: حتى رأيت الجبل بين فرجتي القمر.
-ورواه عنه مسروق ـ أنه كأن بمكة ـ و زاد: فقال كفار قريش: سحركم ابن أبي كبشة!
فقال رجل منهم: أن محمداً أن كأن سحر القمر فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها، فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر: هل رأوا هذا؟ فأتوا، فسألوهم فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك.
-وحكى السمرقندي عن الضحاك نحوه، وقال: فقال أبو جهل: هذا سحر، فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى تنظروا: أرأوا ذلك أم لا؟ فأخبر أهل الآفاق أنهم رأوه منشقاً، فقالوا ـ يعني الكفار: هذا سحر مستمر.
-ورواه أيضاً ـ عن ابن مسعود ـ علقمة، فهؤلاء أربعة عن عبد الله.
-وقد رواه غير ابن مسعود، كما رواه ابن مسعود، منهم أنس، وابن عباس وابن عمر، وحذيفة، وعلي، وجبير بن مطعم، فقال علي ـ من رواية أبي حذيفة الأرحبي: انشق القمر و نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم.
-وعن أنس: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر فرقتين حتى رأوا حراء بينهم. رواه عن أنس قتادة.
-وفي رواية معمر وغيره، عن قتادة، عنه: أراهم القمر مرتين انشقاقه، فنزلت: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ(1) (سورة القمر1) .
-ورواه عن جبير بن مطعم ابنه محمد و ابن ابنه جبير بن محمد.
-ورواه عن ابن عباس عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. -ورواه عن ابن عمر مجاهد، ورواه عن حذيفة أبو عبد الرحمن السلمي ومسلم بن أبي عمر أن الأزدي